حين يصبح ضعف الإنترنت عائقا أمام التنمية في مدينة إنزكان

مكتب أكادير / هشام الزيات
لم يعد الإنترنت في زمن التحول الرقمي ترفا أو خدمة ثانوية يمكن الاستغناء عنها، ولا مجرد وسيلة لتصفح مواقع التواصل الاجتماعي ومشاهدة مقاطع الفيديو، بل أصبح اليوم جزءا أساسيا من البنية التحتية للحياة اليومية، ورافعة حقيقية للتعليم والعمل والتجارة والإدارة والتواصل والوصول إلى المعلومة والفرص .
غير أن واقع خدمات الإنترنت بمدينة إنزكان وبعض المناطق المجاورة يثير، وفق شكاوى وانشغالات متداولة بين مواطنين ومهنيين، تساؤلات حول جودة الاتصال، في ظل الحديث عن ضعف الصبيب، وعدم استقرار الشبكة، وتراجع جودة الخدمة أو انقطاعها في فترات مختلفة .
وقد يبدو ضعف الإنترنت للوهلة الأولى مجرد مشكلة تقنية بسيطة، مرتبطة ببطء تحميل صفحة إلكترونية أو تعذر مشاهدة محتوى رقمي، لكن الحقيقة أن آثارها أصبحت تتجاوز ذلك بكثير، لتلامس فرص المواطنين في التعليم والعمل والاستثمار والتجارة والاندماج في الاقتصاد الرقمي .
فطالب اليوم يحتاج إلى اتصال مستقر لمتابعة دروسه عن بعد، والولوج إلى المنصات التعليمية وتحميل المراجع. والموظف والمهني يحتاجان إلى الشبكة لإنجاز المهام والتواصل مع الزبناء والشركاء، أما المقاولات الصغرى والتعاونيات، فأصبحت تعتمد بشكل متزايد على التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية للوصول إلى أسواق جديدة .
وبالنسبة إلى الشباب الباحثين عن فرص التكوين والعمل عن بعد، والنساء صاحبات المشاريع الاقتصادية، والجمعيات التي تعمل على إعداد المشاريع والتواصل مع المؤسسات والشركاء، فإن الإنترنت لم يعد مجرد خدمة إضافية، بل تحول إلى أداة أساسية للاندماج والاستفادة من الفرص التي يتيحها العصر الرقمي .
إنزكان أمام تحدي الفجوة الرقمية تزداد أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بالأحياء والمناطق المجاورة لمدينة إنزكان، والتي تعرف نموا سكانيا وحركية اقتصادية واجتماعية متزايدة، مقابل حاجة متنامية إلى بنية رقمية قادرة على مواكبة هذا التطور .
فكيف يمكن لشاب أن يستفيد من تكوين عن بعد إذا كان الاتصال ينقطع أو يتباط بشكل متكرر؟
وكيف يستطيع مقاول صغير أن يطور مشروعا رقميا، بينما يواجه صعوبات في الولوج المستقر إلى الشبكة؟
وكيف يمكن لتعاونية نسائية أن تسوق منتجاتها خارج المنطقة، إذا كانت الوسائل الرقمية التي يفترض أن تفتح أمامها أبواب الأسواق لا توفر الجودة المطلوبة؟
وكيف يمكن للجمعيات وفعاليات المجتمع المدني أن تطور شراكاتها ومشاريعها، إذا ظل الاتصال بالإنترنت يشكل عائقا أمام التواصل والعمل؟
إنها أسئلة تتجاوز الجانب التقني، لأنها تضع جودة الإنترنت في صميم النقاش حول التنمية المحلية، وتطرح سؤالا أكبر حول مدى استفادة جميع المواطنين من الفرص التي أتاحتها الرقمنة .
من ضعف الصبيب إلى سؤال العدالة الرقمية، لم يعد الحديث عن التنمية بمدينة إنزكان ومجالها الترابي ممكنا بمعزل عن التحول الرقمي الذي يشهده العالم .
فالإدارة تتجه نحو الرقمنة، والتعليم يعتمد أكثر فأكثر على المنصات الإلكترونية، والتجارة تنتقل بشكل متسارع إلى الفضاء الرقمي، والعمل عن بعد أصبح واقعا بالنسبة إلى فئات واسعة، فيما أصبحت الخدمات الذكية جزءا من الحياة اليومية .
وفي ظل هذا التحول، فإن استمرار التفاوت في جودة الاتصال بين المناطق والفئات قد يؤدي إلى اتساع ما يعرف بـ”الفجوة الرقمية”، أي الفارق في القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا والاستفادة الفعلية منها .
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مواكبة مناطق مثل تراست وجرف وحي النور وغيرها من المجالات المجاورة، من خلال تعزيز البنية التحتية الرقمية، وتحسين جودة الخدمات، ومواكبة النمو السكاني والاقتصادي والاجتماعي الذي تعرفه المنطقة .
فالعدالة المجالية في عصر الرقمنة لم تعد مرتبطة فقط بالطرق والمرافق والنقل والخدمات الأساسية، وإنما أصبحت تشمل أيضا الحق في الولوج إلى اتصال رقمي مستقر وذي جودة .
المواطن من حقه أن يعرف أن إثارة هذا الموضوع لا تعني توجيه الاتهام إلى جهة بعينها، بقدر ما تهدف إلى فتح نقاش عمومي مسؤول حول واقع الخدمات الرقمية بمدينة إنزكان والمناطق المجاورة، ومن حقه أيضا أن يعرف مستوى التغطية المتوفر في منطقته، وجودة الخدمة التي يحصل عليها، وأسباب أي تراجع أو انقطاع متكرر، والإجراءات التي يتم اتخاذها لمعالجة الاختلالات وتحسين جودة الاتصال .
كما أن الجماعات الترابية والمؤسسات التعليمية والمهنيين والمقاولات والتعاونيات وفعاليات المجتمع المدني، كلها معنية بهذا النقاش، من أجل تشخيص مكامن الخلل واقتراح حلول واقعية تستجيب للحاجيات المتزايدة للسكان .
وإن تحسين جودة الإنترنت بمدينة إنزكان لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد مطلب تقني عابر، وإنما كجزء من ورش التنمية المحلية والتحول الرقمي، والمطلوب اليوم هو تشخيص دقيق لمناطق ضعف التغطية والصبيب، والاستماع إلى شكاوى المواطنين والمهنيين والمؤسسات، وتعزيز البنية التحتية الرقمية، ومواكبة المناطق التي ما تزال تواجه صعوبات في الاستفادة الكاملة من الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا .
فالإنترنت لم يعد مجرد نافذة يطل منها المواطن على العالم، بل أصبح طريقا إلى التعليم والعمل والمعلومة والأسواق والخدمات والفرص، وحين يظل هذا الطريق متعثرا أمام جزء من المواطنين، فإن القضية لم تعد مرتبطة فقط بسرعة تحميل الملفات أو عدد الميغابايتات، وإنما أصبحت مرتبطة بسؤال أعمق: هل يحصل جميع المواطنين على الفرص نفسها للمشاركة في مجتمع يتجه، يوماً بعد يوم، نحو الرقمنة؟
وفي مدينة إنزكان، يبدو أن الحاجة أصبحت ملحة لفتح نقاش جدي ومسؤول حول جودة الإنترنت والعدالة الرقمية، لأن التنمية في زمن الرقمنة لا يمكن أن تسير بسرعة مختلفة عن سرعة الاتصال، فحين يتعثر الإنترنت، قد تتعثر معه فرص التعليم والعمل والاستثمار… وحين يقوى الاتصال، تتسع أمام المدينة أبواب التنمية .



