قلعة باشطابيا.. حكاية حجر بقي من سور الموصل

حين يمر نهر دجلة بمحاذاة الموصل القديمة، لا تبدو باشطابيا مجرد بقايا قلعة على الضفة، بل كأنها قطعة من ذاكرة المدينة بقيت واقفة بعد أن تبدلت الأزمنة من حولها.
تقع قلعة باشطابيا في الجانب الأيمن من مدينة الموصل، مطلة على دجلة، وكانت جزءًا من منظومة التحصينات التي أحاطت بالمدينة القديمة. وما بقي منها اليوم يُعد من أبرز الشواهد الأثرية على سور الموصل وتاريخها العسكري والعمراني.

اسمها نفسه يحمل شيئًا من وظيفتها القديمة. فـ«باش» تعني الرئيسي، و«طابيا» تعني البرج، ولذلك عُرفت باشطابيا بمعنى البرج الرئيسي أو البرج الكبير، في إشارة إلى موقعها وأهميتها بين تحصينات الموصل.
أما تاريخها، فتتعدد الروايات حول بداياتها الأولى. فبعض المصادر تنسب إنشاءها إلى العصر الأموي، فيما تربط مصادر أثرية ووثائق حديثة صورتها التاريخية الأبرز بالعصر الأتابكي في القرن السادس الهجري، حين أصبحت جزءًا من منظومة الدفاع عن الموصل. ولهذا مرت القلعة، شأنها شأن المدينة نفسها، بمراحل طويلة من البناء والهدم وإعادة الإعمار.
ولم تكن باشطابيا سورًا صامتًا، فقد كانت قلعة حقيقية لها وظائفها العسكرية. تشير المصادر إلى أنها ضمت مخازن للعتاد، وغرفًا للجنود، وممرات دفاعية، كما ارتبطت بممرات سرية تقود نحو نهر دجلة. وكان للقلعة سور خاص بها وبابان، أحدهما باتجاه الميدان وعُرف بباب القلعة، والآخر باتجاه النهر وعُرف بباب السر.
وتعرضت باشطابيا، مثل كثير من معالم الموصل، لرياح الحروب. هُدمت وأعيد بناؤها في مراحل مختلفة، وارتبط تاريخها بحملات المغول وتيمورلنك، ثم شهدت أعمال إعادة بناء وتوسعة في العهد العثماني. وفي عام 1625 أعيد إعمار أجزاء منها مع سور الموصل، وأضاف بكر باشا إسماعيل الموصلي برجًا ومنشآت لخدمة الوظيفة العسكرية للقلعة.
لكن الفصل الأكثر حضورًا في ذاكرة باشطابيا جاء في عام 1743، عندما حاصر نادر شاه الموصل. في ذلك الوقت تحولت القلعة إلى أحد مراكز الدفاع عن المدينة، وارتبطت بقيادة المواجهة التي قادها والي الموصل حسين باشا الجليلي. واستمر الحصار أسابيع قبل أن يرفع عن الموصل في 23 تشرين الأول من العام نفسه.
ومن فوق دجلة، كانت القلعة ترى المدينة وهي تواجه الحصار، فيما كان موقعها المرتفع يمنح المدافعين قدرة على مراقبة محيطها. ولهذا لم تكن باشطابيا مجرد مبنى عسكري، بل كانت جزءًا من الصورة التي حفظت للموصل قدرتها على الدفاع عن نفسها في واحدة من أشهر صفحات تاريخها.
ومع انتهاء الأزمنة العسكرية، تغيرت وظيفة المكان وبقيت ذاكرته. ومع مرور السنوات تعرضت القلعة لعوامل الطبيعة والإهمال، كما لحقت بها أضرار خلال الأحداث التي مرت بها الموصل. ولم يبقَ منها اليوم سوى أجزاء من ذلك البناء الذي كان يومًا حصنًا واسعًا، فيما ظل برجها المطل على دجلة واحدًا من أكثر مشاهد المدينة ارتباطًا بذاكرتها.
ومع ذلك، لم تنته حكاية باشطابيا عند الخراب. ففي عام 2026 بدأت جامعة الموصل خطوات عملية لتوثيق القلعة وإعداد الدراسات الهندسية والفنية اللازمة لإعادة تأهيلها، بالتعاون مع مفتشية آثار وتراث نينوى. وفي أغسطس 2026 كانت الاجتماعات الخاصة بمشروع إعادة التأهيل والتوثيق لا تزال متواصلة.
وهكذا تقف باشطابيا اليوم على حافة دجلة، لا بوصفها قلعة تنتظر عودة الجنود، وإنما بوصفها شاهدًا على مدينة مرت من هنا بكل ما فيها من حصارات وخراب وإعمار. حجارتها المتآكلة ليست مجرد آثار قديمة؛ إنها بقايا زمن ما زال حاضرًا في ذاكرة الموصل، وكلما انعكس ضوء الغروب على دجلة من بين أقواسها، بدت القلعة كأنها تستعيد للحظة صورتها الأولى، حين كان عليها أن تحرس المدينة.
تمار عامر



