كاميرات محظورة ومقاييس متباينة: متى تتوقف الاجتهادات المزاجية عن تعكير صفو الاستحقاقات؟

هند جوهري
تتكرر في كل محطة انتخابية مفصلية مشاهد تجسد بوضوح حجم الهوة القائمة بين فلسفة بناء المسار الديمقراطي والممارسات الميدانية لبعض المشرفين على التدبير الإداري.
ولعل الواقعة الأخيرة التي شهدت منع الأطقم الصحفية والإعلامية من توثيق لحظة تصويت قيادات سياسية وازنة بحجم نبيل بنعبد الله وعبد الإله ابن كيران، تختزل بامتياز هذا التناقض الصارخ، فبينما يُفترض في هذه المحطات أن تكون أعراساً سياسية تُكرس الشفافية وتعزز الثقة في المؤسسات، تتحول بفعل “الاجتهادات الفردية” والقرارات الارتجالية إلى لوحات سوريالية تسيء للعملية برمتها وتفرغها من حمولتها الرمزية والحضارية، مما يضعنا أمام أسئلة حارقة حول دوافع هذا التضييق غير المبرر.
إن ما يثير الاستغراب والمساءلة المهنية ليس فقط تسجيل حالات المنع في وجه الإعلام، بل التباين الفاضح في تطبيق المعايير بين مكتب وآخر. فحين تُتاح لبعض الشخصيات السياسية أو الحزبية حرية كاملة في التقاط صور الاقتراع وتوثيق حضورها داخل قاعات التصويت، بينما يُمنع أمناء عامون يمتلكون رصيداً تاريخيا وسياسيا ثقيلا من نفس الحق، فإننا نكون أمام أزمة مساطر حقيقية، هذا التمييز يضع الإدارة المشرفة في قفص الاتهام؛ فهو يكشف إما عن عجز في توحيد التوجيهات وتأويل القوانين بمرونة، أو عن تحكم أهواء شخصية ومزاجية لموظفين يجهلون دقة المرحلة السياسية وحساسية أدوار الصحافة فيها.
إن الدور المركزي للإعلام في الاستحقاقات الكبرى يتجاوز التغطية الخبرية البحتة ليلعب دور الحفاز على المشاركة والمواطنة الإيجابية.
وعندما يعمد بعض المسؤولين الميدانيين إلى ممارسة تضييق مجاني غير مبرر، فإنهم يخلقون بلا داعٍ أزمات مفتوحة تؤدي إما إلى احتجاجات معلنة أو انسحابات تعبيرية تعكر صفو المشهد.
هذه الممارسات التي تصدر عن “صغار الأفعال لا الرتب” تمنح الذرائع للتشكيك وتقدم صورة مشوهة عن انفتاح المؤسسات، وكأن هناك إصراراً خفياً على مكافأة الاجتهاد السلبي ووأد أي محاولة لنقل صورة حضارية عن الممارسة الديمقراطية الوطنية.
إن رهان الإصلاح وتجويد المحطات الانتخابية يقتضي بالضرورة القطع مع هذا العبث الإداري، وفرض صرامة تكوينية تجعل رجل الإدارة واعياً بأن حراسة القانون لا تعني شطط التسلط ولا اختراع الممنوعات، بل تسهيل تدفق المعلومة واحترام مكانة الفاعلين وصون وقار الاستحقاقات الكبرى من نزوات التسيير العشوائي، ليبقى الأمل قائماً في أن تراجع الإدارة حساباتها قبل أن تتحول هذه الهفوات إلى أعراف مقيتة تضر بصورة البلاد أكثر مما تنفعها.



