ثقافة وفن

ميثولوجيـــــــــــا الحب…. “ملامح نظريّة عربيّة في الحب”

بقلم: د. كفاح وليد درويش / عمّان. الأردن

يكاد الأدب العربي يكون أسبق آداب العالم إلى تصوير الحب والتعبير عن عاطفته، فيما توافر للعرب في بيئتهم الخاصة، من فطرة سليمة وإحساس مرهف، ومن تذوق دقيق واع لما يحيط بهم من روائع الجمال وبدائعه متمثلة في مناظر صحرائهم، وبما اشتملت عليه سماؤها من غيوم ونجوم تسحر.
تغنى بجمال الحب وحب الجمال فطاحل الشعراء العرب، منذ عصر الجاهلية، وكان الغزل بالمرأة يجري مجريين “مجرى عفيفا” و”مجرى حسيا صريحا..
أما الأول فكان في البادية، وفي الأكثر قل ما صرح الشاعر البدوي باسم حبيبته، وكان هذا الغزل يدور حول بث الشوق والرغبة في لقاء الحبيبة، وتذكر أمكنة اللقاء. ومنهم “مجنون ليلى”، “وقيس بن ذريح “مجنون صاحب لبنى، “وتوبة بن حمير” صاحب “ليلى الأخيلية” وغيرهم كثير.
أما الثاني يتمثل في بعض شباب المدن في الحجاز أوتوا بسطة في الرزق ورفعة في المكانة الاجتماعية ورقة في الدين وقسطا وفيرا من الفراغ ومنهم “عمر بن أبي ربيعة” وهو أشهر من أن نجمل عنه، وقد ترك شعرا كثيرا صور فيه حياته العابثة الماجنة وقص فيه حوادث غرامه.
كان للحب العذري أثر في الشرق فلم يكتف بهذه النظرة المثالية للحب الإنساني، وإنما تعداها إلى القول بالحب الإلهي. والذين حملوا لواء العشق من الصوفية “رابعة العدوية” أشهر نساء أهل التصوف، والسابقة إلى وضع قواعد الحب والحزن في التصوف.

أسهم العرب في تقديم تنظيرات مهمة فيما يتصل بمشاعر الحب، وأفردوا للحب كتبا خاصة، عالجوا فيه تطور فكرة الحب واتجاهاته، وعلاماته ودرجاته وأمراضه، وخرجوا بنتائج وآراء طريفة، وفيها إبداع يقترب بعضها من التحليلات النفسية المعاصرة في بعض الأحيان. فقد عالجه الجاحظ من منظور أدبي نفسي اجتماعي في رسالة” العشق والنساء” وفي كتابه”مفاخرة الجواري والغلمان” وهي رسالة قارن فيها الجاحظ بين الجارية والغلمان، وأظهر فضائل كل منهما على الآخر. ومنهم من مزج العشق بالموقف الديني كما هو الحال عند “ابن حزم” صاحب كتاب ” طوق الحمامة في الألفة والإلاف”، ومنهم من مزج العشق بالمجون فيسرد القصة المكشوفة والخبر العاري كما فعل “الأصفهاني” في “الأغاني”.

لا يمكن الحديث عن الحب كموضوع أدبي فلسفي في ثقافتنا العربية الحديثة دون أن يتبادر إلى الذهن اسم “نزار قباني” الذي نزع عن القصيدة العربية ثوب البّداوة، وخلص الحب من أوهامه، وأخرج الجسد الأنثوي المكبوت من كهوف العتمة والصمت، إلى فضاءات النور والصوت، يقول:” إنني أكتب للمرأة، وعن المرأة لأنقذها من مخالب القبيلة، ومن سيف أبي زيد الهلالي”. لعلنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن شهرته الواسعة قامت على ما سطره فيها، وما أجراه على لسانها، وما فجره فيها من ثورات وبراكين من خلال نرجسيته الأكثر بروزا في شعره، فهو المعشوق لا العاشق، والمطلوب لا الطالب، فالمرأة هي الأسيرة لديه، المتهالكة على ساديته وجنونه يقول: أوصيك بجنوني خيرا فهو رصيدك الجمالي
ويوم أسحب منك كفالة جنوني سيشهرون إفلاسك

لم يكن “قباني” صاحب قضية، ولا كان عدوا للمرأة أو نصيرا، لكنه راصدا يرسم بالكلمات من كل الزوايا، ولقد تنوعت صورة المرأة في شعره، وتلونت أساليب الخطاب الغزلي، فتارة يتناولها ثائرة متمردة، وتارة يتناولها جسدا ونوازع جنسية، وأحيانا يجري على لسانها من بوح بأسرار الرغبة الجنسية. وإذا كان قد وفق في بعض شعره إلى تنوير المرأة، فإنه قد تسبب في كثير منه بإفسادها عبر تصوير الحرية على أنها انفلات لامسؤول، واستسلام مطلق لرغبات الجسد.

عرف أدباؤنا قيثارة الحب وعزفوا عليها تارة ألحانا حزينة تارة، وألحانا أخرى غارقة في الرومانسية، تكشف لنا مكنونات الحب، أحاسيس ومشاعر وقلوب هؤلاء، وكانت علاقة الحب التي ربطت بين “مي زيادة وجبران خليل جبران” من أجمل علاقات الحب التي عرفها الأدب العربي، حيث بث العاشقان في رسائلهما شكوى العشاق من الشوق والبعد والحرمان، ذلك الحب عبر الرسائل واستمراريته لمدة عشرين عاما بل وعدم اللقاء بينهما! كانت علاقة حب عبر الرسائل فقط، وهذا ما جعل حبهما فريدا من نوعه، ولا أظن أن تتكرر مع أحد مثل هذا الحب.

أصبح الحب في يومنا مبتذلا رخيصا، فالنظرية التي تدعو إلى تحرير المرأة انطلاقا من تحرير جسدها، وإلى إطلاق طاقاتها الإبداعية انطلاقا من إطلاق طاقاتها الجنسية المكبوتة قد أضرت بالمرأة كثيرا، وشوهت صورتها، وحولتها في كثير من الأحيان إلى آلة جنسية مجردة من القيم والمبادئ والأخلاق. وأفسدت نظرتها إلى الحب حتى لبخيل إلينا بأن الحب الخالي من القرابين الجسدية لن يقود إلى سرير الزوجية.
قد يكون “نزار” وغيره من دعاة تحرير المرأة قد أرضى المؤمنين بنظرية الفن للفن التي تكرس طلاقا بائنا بين الفن والقيم الأخلاقية، لكنه لم يرض القائلين بنظرية الفن للحياة بما ترسخه في نفوس القراء من قيم ومثل، وما تسعى إليه من نهوض بالأمم والشعوب.. ولم تغفل الشرائع السماوية دور المرأة في بناء الأمة والمجتمع، ولم تقصر في رسم صورتها الروحية، فكانت السيدة مريم العذراء مثالا للطهر والنقاء وموضوعا لواحدة من أعظم المعجزات الإلهية على الأرض. وكانت “ماشطة” ابنة فرعون، و”فاطمة الزهراء”، وأمهات المؤمنين من نساء النبي عليه السلام، مضربا للمثل والطهر والنقاء وعلو الهمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock