العباسية عرف التصدق بباكورة المنتوج إلى انقراض

محمد جرو/مراكش..
الرواية الشفهية المراكشية تتحدث عن “العباسية”إبان عهد ابو العباس السبتي أحد رجالات مراكش العظام ..لعله من أكبرها
أبا العباس السبتي (سيدي بلعباس)/(1129م1204) و أشهر رجالاتها السبعة على الإطلاق ، كان يشتغل بالحِسبة بها..وبفطنته ومتابعته لحالة المجتمع، لاحظ تفشي ظاهرة التسول و الشحاذة، فأصدر أمره لكافة الحرفيين و المشتغلين في مجال السلع الغذائية بأن يجعلوا أول إنتاجهم صَدَقةً يتصدقون بها على المحتاجين..و يُقال أن وطأة التسول في المدينة خفّت بشكل كبير بعد تطبيق هذه العملية، و ساد نوع من التعاضد و التكافل و التآزر بين الناس، و استحسن الكل هذه المبادرة..و من أروع ما ذُكِر في هذا الباب أن بائعات الخبز بمراكش الفيحاء ، و بالرغم من فقرهن ، كُنّ يتصدقن بخبزةٍ من “رأسمالهن”الذي لا يكاد يتجاوز العشرين خبزة..و لم تكن تشرعن في بيع الخبز إلا بعد أن تقمن بشق “خبزة العباسية” على أربعة ، و عرضها على المتسولين..و لذلك لم يكن غريباً أن يُشاهَد السفّاج مثلاً، و هو يفتتح يوم عمله بتحضير مقلاة كاملة من الإسفنج الصغير، و يتصدق بها قبل البدء في البيع..
وفي التمثل الشعبي بضواحي مراكش، قد انتقل هذا العُرف الجميل إلى البادية ، فكان الفلاحون بأحواز مراكش لا يبيعون و لا يشترون إلا بعد سحب “حق سيدي بلعباس”..و كان البعض يستعمل “العباسية” كإضافة أو “وْقاية” ، فقد يحدث أن يشتري المرء عشر قطع من بضاعة ما فيعطيه التاجر البائع قطعة حاديةً عشرة قائلاً :
“و هذه القطعة عبّاسية!”
و حتى إذا نسي البائع تقديم “القطعة-الهدية”،كان المشتري غالباً ما يُذَكّره بقوله:
“و أين العباسية؟..”
و قد تعممت العباسية في مراكش و أحوازها قبل أن تنتقل إلى باقي المدن العتيقة، و كان طبيعياً في وقت ما أنّ الحفلات كانت تسبقها ولائم تُقام لإطعام الفقراء، و يُطلق عليها “حفلة العباسية”..
و برغم نسيان و تجاوز هذه العادة التضامنية الرائعة، و دخولها في خانة “عادات أيام زمان” فإن لمساتٍ منها لا زالت تظهر من حين إلى آخر في بعض الأحياء الشعبية بالمدن العتيقة..



