ثقافة وفنمقالات واراء

أنا أكلت من القمامة و نمت في الشوارع فماذا تريدون؟ أن أكتب عن الفراشات!

بدر بيوس: مكتب مراكش

محمد شكري(1935/2003)

في مذكراتها تقول أنذيرا غاندي رئيسة وزراء الهند السابقة،أن والدها نهرو قال لها ذات يوم” إنّ مملكة الخيال أصدق و أكثر حقيقة من مملكة الواقع” و لعل الانسان الذي بنى الحضارة و شقّ الطرقات و شيّد الجسور و حاول ترويض الطبيعة و النظر في ما وراء الفضاء كان مدفوعا بالخيال و التساؤل عن وجه القمر الآخر هل هو أيظا مضيء؟ فلو لا الخيال ما تسيّد العقل هذا البنيان الوجودي، و لعل أبرز ما يمكن أن يستعمل الإنسان فيه ملكة الخيال ليتحدث عن الواقع و يسبر أغواره هو الآداب، فهو الكذب الصادق بتعبير”حسن أوريد” و إذا كان الأدب منبرا لزوايا نظر مغايرة و أكثر تفصيلا عن جذوى الحياة و تركيزا عمّا يتخللها من أزمات فإن في هذا الوطن من جعل من الرواية كجنس أدبي، مَعْبرا للوصول إلى الآخر الذي لا يتورط في المعنى و يظل حبيس السطح. من هؤلاء صعلوك طنجة اللطيف”محمد شكري 2003/1935م” إن الحديث عن أدب شكري هو بمثابة الحديث عن النقد اللاذع للواقع الذي تنتجه النظم، سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية.هو بشكل أو بآخر الحديث عن الذّي نجهله من أوضاع الفرد الخاصة أمام تصورات المجتمع الجاهزة التّي تفرض علينا نسقا مكررا و قوالبا نمطية تحدد كينونتنا،و ما يجب أن نكونه.فما الذي يميز  الكاتب المغربي محمد شكري عن باقي محترفي الورق؟ أ جعله من وجوده الانساني مادة لمعظم انتجاته السردية؟أم قلمه المتمرد و المستثمر في نفسه و في حياته بأبعادها المختلفة من خلال نقلها لنا في قالب روائي مميز بعيدا عن المتخيل الذّي يشكل وفق آليات النقد الحديث سمة جوهرية في ما ينتجه الفاعل في الآداب من قصَصٍ و سيَر و روايات و شعر؟
إنّ انتاجات محمد شكري الأدبية هي امتداد لسيرة وجودية حقيقية بحق وجود الشمس لواحد من عظماء و مبدعي المغرب في الحقل الأدبي، بعبارة أخرى هي”كشف” و تمثل لقول كامو” لنقم الدليل على فضيلتنا أو لنفتح السجون” هي تعرية و فضحٌ لما يشوب الواقع من تناقضات و شوائب و رواسب بعضها جاء نتاجا للمستعمر و بعضها وليد الأنا الجمعي الذّي حل محل الاستعمار. شكري الذّي ينطلق من ذاته و من تجاربه ليصوغ لنا نصوصا سردية معجونة بالتجربة الواقعية المعاشة، بعيدا عن زيف المثل، قريبا حد الالتصاق بسطح الأرض، فهو إن جاز التعبير يد بها مطرقة من بلور تهشم كل صلد من طابوهات تقليدية و أبراجا عاجية كالتّي يسكنها عموم المثقفين، فأس كافكا التي تهشم الجليد الكامن فينا، شأنه شأن الكاتب الأمريكي أرنست همنغواي غير أن محمد شكري كان الأقوى و لم يقل لسلاح الكتابة وداعا أبدا. هو المقابل لنجيب سرور دون كيشوت مصر الذي صارع طواحين الإقطاع و السياسة و لكنه أي محمد شكري كان فارسا حقيقيا و لم تكن حروبه متخيلة.
تعدّ روايته زمن الأخطاء تكملة لما قدمه شكري في وليدته الخالدة الخبز الحافي التي ترجمت للغات العالم البارزة،تكملة للصراع الداخلي الذّي عاشه و استمرّ معه لآخر حياته و الذي يظهر و يختفي كثعلب محمد الزفزاف طوال أوراق الرواية، ذلك الصراع الذي نشب بينه و بين اسقاطات الآخر( المجتمع الطبقي و التقليدي،الأب، التمدرس المتأخر، الجهل، المرأة، الحب ….) إنه ديمومة الحلم ( لا أحد يجيء بعد الأخير…) و حلمه كان أن يجيء بعد الأخير..هو صراع ضدّ واقع جاهز يبتلع كل شيء ليشكله وفق ما يبتغي.ذلك البحث المستمر عن سؤال الوجود (من أنا )؟. و ما موقعي في هذا العالم؟ غير مكتفيا بقول راقصة الحانة في ” ملحمة جلجامش” أما أنت يا جلجامش فعليك أن تقنع بأن تكون كرشك ممتلئة و اتركك من سؤال الوجود. هو تجسيد لقول درويش أما أنا فأقول…سأقطع هذا الطريق لآخره و آخري.
من طنجة كان المنطلق و فيها تشكّلت النهاية، الحب، الوحدة، الإغتراب و قس على ذلك من قاموس هذه الدوامة الخلاقة التي تتوزع بداخل فصول الرواية السيرة. تقع الرواية في ما يقارب المائة و تسعون صفحة،صادرة عن دار النشر الفنك سنة 2009 .
في هذه السيرة الروائية، قصة ملحمية لا تجري في عروقها دماء الأسطورة و لكنها سيرة بطل حقيقي من لحم و دم و كمٌّ هائل من العناد و الحلم و التناقضات و التوزعات النفسية التي هي بحجم الوجود.هو بطل من ذاك الزمان على غرار” بطل من هذا الزمان ” لمخائيل ليرمنتاتوف، ذاك الزمن الذي شهد و لادة جديدة لمجتمع كان لها ما بعدها.
في الختام تذكر أيها القارئ الجميل أن القراءة ليست محاكمة أخلاقية و لكنها جسر يربطنا بالآخرين الذّين مروا من هنا عبر تجاربهم و طبيعة أفكارهم و تداخلاتهم الوجودية و زوايا نظرهم المغايرة و المتفردة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock