
هيئة التحرير
استعادت فرنسا موقعها كأول مستثمر أجنبي مباشر في المغرب خلال النصف الأول من سنة 2025، بعد أن كانت قد فقدته لفائدة الإمارات العربية المتحدة في العام المنصرم، وفق بيانات رسمية صادرة عن مكتب الصرف.
ويمثل هذا التحول في خريطة تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية نحو المملكة مؤشراً على استعادة الدفء في العلاقات المغربية الفرنسية، بعد سنوات من البرود السياسي والدبلوماسي.
وتُوجت المصالحة بين الرباط وباريس بلقاء رسمي جمع الملك محمد السادس بالرئيس إيمانويل ماكرون، تزامنا مع توقيع اتفاقيات اقتصادية كبرى تتجاوز قيمتها عشرة مليارات يورو، أعادت ترتيب أدوار الشراكة بين البلدين في مجالات الطاقة والبنية التحتية والصناعة.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الاستثمارات الفرنسية في المغرب بلغت خلال النصف الأول من العام الجاري 2.03 مليار درهم (نحو 193 مليون يورو)، في حين تراجعت الاستثمارات الإماراتية إلى 1.7 مليار درهم، بعد أن كانت قد سجلت أكثر من 3 مليارات درهم سنة 2024.
واحتلت الولايات المتحدة المركز الثالث، متبوعة بإيطاليا وألمانيا وإسبانيا، في وقت تسعى فيه الرباط إلى تنويع شركائها الاستراتيجيين وربط تدفقات الاستثمار بالأولويات الصناعية والطاقية الوطنية.
ويستقطب المغرب، الذي يُنظر إليه كواحد من أكثر الاقتصادات استقرارا في شمال إفريقيا، اهتماما متزايداً من القوى الاقتصادية الكبرى، لاسيما في ظل استعداده المشترك مع إسبانيا والبرتغال لاحتضان نهائيات كأس العالم لكرة القدم سنة 2030، وما يتطلبه ذلك من تعبئة استثمارات ضخمة في مجالات النقل والضيافة والبنية التحتية.
وتعززت جاذبية المغرب لدى المستثمرين الأوروبيين بعد أن أطلق برامج استراتيجية لرفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، مع التركيز على قطاعات السيارات، الطيران، الطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر. وقد فازت شركات فرنسية مثل “ألستوم” و”توتال إنرجي” و”إنجي” بصفقات ضخمة، شملت مشاريع تمتد إلى المناطق الجنوبية للمملكة.
وترى أوساط اقتصادية أن الاستثمارات الخليجية، رغم زخمها في فترات سابقة، تأثرت بتغير أولويات الصناديق السيادية، وتحول التركيز نحو الأسواق الآسيوية.
في المقابل، تراهن فرنسا على المغرب كمحور للتوسع باتجاه القارة الإفريقية، وكشريك إقليمي قادر على تأمين توازن استراتيجي في غرب البحر الأبيض المتوسط.
وعلى الرغم من العلاقات المتينة التي تجمع المغرب بإسبانيا، والتي تعززت على المستويين الأمني والتجاري، إلا أن الجارة الشمالية لم تصعد بعد إلى مستويات متقدمة في مجال الاستثمار المباشر، إذ لم تتجاوز مساهمتها 436 مليون درهم خلال النصف الأول من العام، بحسب معطيات مكتب الصرف المغربي.
وتسعى الرباط إلى تحويل علاقاتها الاقتصادية مع شركائها التقليديين إلى شراكات أكثر تكافؤاً واستدامة، تركز على نقل التكنولوجيا وتعزيز التكوين المهني الوطني.
وفي هذا السياق، تكتسي عودة فرنسا إلى صدارة المستثمرين دلالة سياسية واقتصادية مزدوجة، خصوصاً مع التزام باريس بتمويل مشاريع تنموية داخل مناطق تعتبرها الرباط جزءاً من وحدتها الترابية.
ويُرتقب أن تعزز هذه الدينامية الجديدة تموقع المغرب كمركز صناعي وطاقي إقليمي، مستفيداً من موقعه الجغرافي وقربه من أوروبا، ومن اتفاقيات التبادل الحر التي تجمعه مع أكثر من خمسين بلداً، ما يجعله بوابة استثمارية جذابة في منطقة البحر الأبيض المتوسط والقارة الإفريقية على حد سواء.



