
هيئة التحرير
في غياب أي توضيح رسمي، تتصاعد التساؤلات داخل الجزائر وخارجها بشأن مصير ناصر الجن، الذي كان يشغل منصب رئيس جهاز المخابرات الداخلية، والذي اختفى عن الأنظار منذ أسابيع، بعد تداول أخبار عن إعفائه المفاجئ من مهامه.
ويعد الرجل، المعروف داخل الأوساط الأمنية بلقب “الجن”، من أبرز مسؤولي الدولة في السنوات الأخيرة، وقد تولى التنسيق العام للملفات الحساسة المرتبطة بالمعارضة، والنشاط المدني، والتحركات الحدودية، إلى جانب مهام أخرى ذات طابع استخباراتي داخلي. وقد تولى موقعه بعد مرحلة إعادة هيكلة عميقة شملت مختلف الأجهزة، في أعقاب الحراك الشعبي الذي انطلق سنة 2019.
وأكدت صحيفة لوموند الفرنسية، نقلا عن مصادر موصوفة بالمطّلعة، أن الإقالة لم تُعلن عبر القنوات الرسمية، وأن مصير ناصر الجن لا يزال غير واضح، مع ترجيحات بفرض إقامة جبرية عليه أو تجريده من الصلاحيات بشكل كامل.
وتُشير المعطيات المنشورة إلى وجود توتر داخلي بين أجنحة متعددة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، ما يجعل من غياب هذا المسؤول أكثر من مجرد انتقال إداري.
ويخشى مراقبون أن يشكل هذا الغياب المفاجئ ثغرة في البنية الأمنية الجزائرية، بالنظر إلى موقع جهاز المخابرات الداخلية في منظومة الضبط السياسي والأمني، خصوصا في ما يتعلق بملفات العبور غير النظامي، وشبكات التهريب، والتنسيق الاستخباراتي مع دول الجوار.
تاريخيا، شكّلت المؤسسة الأمنية أحد أعمدة الحكم في الجزائر، وحافظت على حضور قوي داخل آليات القرار، سواء من خلال الجيش أو عبر الأجهزة التابعة له.
ومنذ سنوات، عرف هذا الجهاز تحولات متكررة، شملت تعيينات وعزل مسؤولين دون تفسير علني، ما كرّس نمطًا من الغموض المؤسسي بات يثير اهتمام العواصم الغربية والدوائر البحثية المختصة.
ويعتبر غياب “الجن” في هذا التوقيت مؤشرا على تصاعد منسوب التوتر داخل النخبة الحاكمة، خاصة مع تزامن الأمر مع سياق اجتماعي هش، وتحديات اقتصادية متزايدة، واستمرار حالة الانكماش السياسي التي تميز المشهد الجزائري منذ سنوات.
كما يُنظر إلى الواقعة كحدث كاشف عن محدودية آليات الشفافية داخل الدولة، وغياب قنوات مؤسساتية للتداول أو لشرح التغيرات المرتبطة بأجهزة سيادية.
وعلى المستوى الإقليمي، تأتي هذه التطورات في ظرف دقيق، يتميز بارتفاع منسوب التهديدات العابرة للحدود في منطقة الساحل، وتزايد اعتماد دول غربية على الجزائر كفاعل استخباراتي في ملفات حساسة، بينها مكافحة الإرهاب، وتتبع الشبكات الإجرامية، ومراقبة حركات الهجرة جنوب الصحراء.
ويضع غياب المسؤول الأول عن الجهاز المكلف بهذه الملفات علامات استفهام حول قدرة الجزائر على الحفاظ على نفس النسق من التنسيق والدور الأمني الخارجي.
وفي الداخل، لم تُصدر السلطات أي بيان يوضح طبيعة التغيير أو خلفياته. كما لم تُجب المؤسسات المختصة عن الأسئلة المرتبطة بمصير الرجل، ولا عن مصير الملفات التي كانت تحت إشرافه المباشر. هذا الصمت يُعزّز الانطباع بوجود أزمة داخلية غير معلنة، تُدار خلف الكواليس، وتنعكس بشكل مباشر على صورة الدولة ومؤسساتها.
ويرى محللون أن ما يحدث لا يتعلق فقط بشخص دجان، بل يكشف عن منطق إدارة لا يزال يتعامل مع التحولات الكبرى بمنهج أمني مغلق، تغيب فيه آليات التقييم العلني، ويُعتمد فيه على منطق الغلبة داخل الأجهزة، بدل منطق التداول المؤسسي والعلني.
وفي انتظار اتضاح الصورة، تظل واقعة اختفاء رئيس المخابرات الداخلية نقطة تحول في مسار الجهاز، وتفتح الباب أمام قراءات أوسع، قد تتجاوز البُعد الإداري نحو التساؤل عن التوازنات الفعلية داخل الدولة الجزائرية، وعن مستقبل علاقة السلطة بمؤسساتها ذات الطبيعة الأمنية المغلقة.



