رياضةمقالات واراء

حين تعادل المنتخب… وسقط الوعي

جمال الدين

الصحافة : المنتخب بلا روح!!
الجمهور : أقيلوا المدرب!!
الواقع : تعادلنا مع مالي… لا أكثر ولا أقل

لم يكن تعادل المنتخب الوطني أمام مالي مجرّد نتيجة رياضية تُسجَّل في دفاتر التصفيات، بل كان مرآةً كاشفة، عكست ما هو أعمق من كرة تُركل و مرمى يُحمى و نقطة تُقتسم، لقد كان امتحانًا للوعي، فشل فيه كثيرون.

في لحظة واحدة، انقلبت الطاولة من منتخب يُشاد به ويُحتفى بإنجازاته و يُرفع على الأكتاف، إلى فريق يُجلد و يُتهم و يُسحب من تحته بساط الثقة، لا لشيء سوى أنه تعادل، لا خسر، لا أُقصي، لا انهار… بل تعادل.

شبيهة الصحافة لم تنتظر، أخرجت سكاكينها من غمدها، وشرعت في النحر، لا تحليل، لا قراءة فنية، لا إحترام للخصم أو لسياق المباراة، فقط عناوين دامغة : “المنتخب بلا روح”، “المدرب فشل”، “اللاعبون انتهوا”، و كأنها كانت تترصّد اللحظة، لا لتنتقد، بل لتنتقم.

و هنا، لا بد أن نسأل : أهذه صحافة؟ أم مسرح للتهريج؟
أهذا نقد؟ أم تصفية حسابات؟
أهذا إعلام؟ أم سباق نحو “الترند” ولو على حساب سمعة وطن؟

ثم يأتيك جمهور النتائج، جمهور “اربح أو ارحل”، جمهور لا يعرف من كرة القدم إلا لوحة النتيجة، ولا يرى في المنتخب إلا مرآةً لنشوة مؤقتة، إن فاز، صفق وهلل، و إن تعادل صرخ وسبّ، لا صبر، لا تحليل، لا فهم لمسار المنافسة، ولا إدراك أن كرة القدم كالحياة، لا تُقاس بلحظة بل بمسيرة.

أما مالي، فبعضنا لا يراها إلا اسمًا على الورق، لكن الحقيقة أن هذا المنتخب الإفريقي ليس خصمًا عابرًا، هو فريق منظم، صلب، قوي بدنيًا، يعرف كيف يضبط الإيقاع، ويُربك الكبار… لكننا في غمرة الغرور، لا نرى الخصم، بل نرى أنفسنا فقط.

قارنوا إن شئتم لتستفيق الذاكرة :

الأرجنتين بتاريخها العريق، خسرت من السعودية في كأس العالم، لم يُطالب أحد بإعدام المدرب، و لا شطب ميسي من التاريخ بل ساندوه، فتوّجوا أبطالًا.

فرنسا تعادلت وخسرت في تصفيات ومنافسات كبرى، ولم تنهار.

ألمانيا خرجت مبكرًا من المونديال مرتين، لكنها لم تفقد مشروعها.

إسبانيا بنت مجدها بعد إخفاقات متتالية لا بعد انتصارات متتالية.

الفرق؟ هناك إعلام مسؤول، وهنا إعلام انفعالي.
هناك جمهور واعٍ و هنا جمهور متقلب.
هناك من يبني، وهنا من يهدم.

المنتخب الوطني ليس فريقًا يُقيَّم بعد صافرة واحدة هو مشروع و مسار، وثقة يجب أن تُحمى لا أن تُقوّض.

من أراد النقد، فليأتِ بالتحليل، بالأرقام، بالحلول… أما من أراد الصراخ، فليبحث له عن مسرح آخر.

تعادل واحد كشف المستور.
منتخب صامد…
و صحافة مهزوزة…
و جمهور لم ينضج بعد…

والهزيمة الحقيقية… لم تكن في الملعب، بل في العقول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock