SMG من حلم جماعي بالثراء السريع إلى كابوس مالي ونفسي لمئات الأسر المغربية

هند جوهري
القضية الآخذة في التفاعل حول المنصة الرقمية الوهمية المعروفة باسم “SMG” تحولت في ظرف وجيز من حلم جماعي بالثراء السريع إلى كابوس مالي ونفسي لمئات الأسر المغربية، بعدما تبخرت مدخراتهم واختفى أصحاب المشروع في واحدة من أكبر قضايا النصب الرقمي التي تشهدها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وتزداد أهمية هذا الملف مع توقيف موظف يعمل بإدارة السجون في مدينة تارودانت، يشتبه في كونه العقل المدبر لهذه المنصة، ما يضيف بعداً صادماً للقضية بالنظر لصفة الموقوف وانتمائه لقطاع من المفترض أن يرتبط بتطبيق القانون لا خرقه.
قدمت منصة “SMG” نفسها كفضاء رقمي استثماري يتيح للمستخدمين تحقيق دخل يومي محترم مقابل القيام بأنشطة بسيطة، مثل مشاهدة الإعلانات أو تنفيذ مهام رقمية خفيفة، مع حوافز مغرية لكل من يجلب منخرطين جدد عبر نظام الإحالة.
هذا الخطاب، الذي يلامس رغبة الكثيرين في تحسين أوضاعهم المعيشية بأقل مجهود ممكن، جعل الآلاف يقبلون على التسجيل وضخ مبالغ متفاوتة، على أمل ضمان مردود ثابت يفوق ما توفره المدخرات البنكية أو الأعمال التقليدية.
فخلال فترة من الزمن، بدا للكثير من المشاركين أن المشروع ناجح؛ إذ كانت المنصة تُظهر أرباحاً يومية في حساباتهم، ويتم تمكين البعض من سحب جزء من أرباحهم، ما عزز الثقة وشجعهم على إعادة استثمار مبالغ أكبر واستقطاب أقاربهم ومعارفهم.
لكن هذه “الشرعية الوهمية” ما لبثت أن انهارت عندما توقفت المنصة بشكل مفاجئ عن العمل، واختفت قنوات التواصل الرسمية، ليتبين للضحايا أنهم أمام عملية نصب محكمة، حيث تبخرت الأموال ووجدوا أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى أي مسؤول مباشر عن المشروع. ومع توالي حالات الاستياء والصدمة، بادر عدد من الضحايا إلى طرق أبواب المصالح الأمنية وتقديم شكايات رسمية يتحدثون فيها عن فقدان مبالغ تراوحت بين مدخرات شهرية بسيطة ورؤوس أموال ادخرها أصحابها لسنوات من العمل، أو حصلوا عليها عبر قروض عائلية ومصرفية.
هذه الشكايات، المتعددة في مدن وجهات مختلفة، رسمت ملامح “شبكة” منظمة تستغل هشاشة الوعي المالي لدى فئات واسعة، وتستثمر في خطاب الطمع والأمل في الربح السريع، لتُسقط في شراكها شباباً وعمالاً وتجاراً وموظفين بل وحتى متقاعدين.
تفاعلاً مع هذه التطورات، تحركت عناصر الشرطة القضائية بالمنطقة الأمنية لإنزكان، ونجحت في توقيف موظف يشتغل بإدارة السجون بمدينة تارودانت، بعد الاشتباه في كونه العقل المدبر لمنصة “SMG” والمنسق الرئيسي لعملياتها المالية والتنظيمية.
هذا المعطى أثار صدمة مضاعفة لدى الرأي العام، على اعتبار أن الشخص الموقوف ينتمي لجهاز يفترض فيه حماية المجتمع من الجريمة، قبل أن يجد نفسه متهماً بالتورط في شبكة نصب رقمي واسعة النطاق، في انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات القضائية الجارية.
لا تقف خسائر ضحايا “SMG” عند حدود الأرقام والمبالغ المالية، بل تمتد إلى تبعات اجتماعية ونفسية عميقة، حيث عبّر كثيرون عن شعورهم بالخجل والندم، وتعرض بعضهم لتوترات أسرية بسبب ضياع مدخرات الأسرة أو تبخر أموال خُصصت لتكاليف الدراسة أو العلاج أو السكن.
كما برزت حالات فقدان للثقة في أي مبادرة استثمارية أو مشروع إلكتروني، ما يُضعف بدوره فرص تطور الاقتصاد الرقمي الشرعي، ويخلط بين المبادرات الجادة والمشاريع الاحتيالية التي تركب موجة التكنولوجيا لتبرير ممارساتها المشبوهة.
وتكشف هذه القضية عن نمط متكرر في عالم النصب الإلكتروني، يقوم على وعود بأرباح كبيرة وثابتة، مقابل استثمار بسيط ومهام سطحية، مع التركيز على الجوانب النفسية للضحايا عبر خلق جو من الانبهار والنجاح الوهمي، وربط الانخراط في المنصة بقيم مثل “الذكاء المالي.”
كما يتم الإعتماد على دوائر الثقة القريبة، حيث يقنع الأشخاص من يثقون بهم من أهل وأصدقاء بالتسجيل، فيتحول الضحية ذاته إلى أداة غير واعية لاستقطاب ضحايا جدد، في بنية تشبه إلى حد بعيد مخططات التسويق الهرمي ومشاريع بونزي المعروفة عالمياً.
ومن الناحية القانونية، يشكل إنشاء أو تسيير منصة وهمية لاستقطاب الأموال بغرض النصب جريمة يعاقب عليها القانون، خاصة حين يكون الأمر مقروناً بتنظيم محكم، واستخدام وسائل تكنولوجية وتغليطية لتضليل الرأي العام والضحايا.
أما أخلاقياً، فتطرح القضية سؤالاً حاداً حول استغلال حاجة الناس ورغبتهم في تحسين أوضاعهم، وتحويل هذه التطلعات المشروعة إلى مدخل لاستنزاف مدخراتهم، في ضرب مباشر لقيم التضامن والثقة التي يقوم عليها النسيج الاجتماعي.
المستنتج من فضيحة “SMG” أن أي عرض استثماري يعد بأرباح كبيرة، ثابتة، وسريعة مقابل مجهود محدود، يستوجب الشك والتفكير العميق قبل الإقدام على ضخ الأموال فيه، خصوصاً إن كان يفتقر إلى ترخيص واضح أو إطار قانوني مضبوط.
كما تبرز الحاجة الملحة إلى نشر ثقافة الوعي المالي والرقمي، عبر المدارس ووسائل الإعلام ومنصات التواصل، حتى يكون المواطن قادراً على التمييز بين الإستثمار المشروع ومخططات الإحتيال التي تتجدد بأساليب وواجهات مختلفة، لكن جوهرها يبقى واحداً ألا وهو استغلال الثقة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.



