اختيارات وليد الركراكي البشرية والتكتيكية تحوّل حلم المغاربة إلى كابوس

المصطفى الوداي
بعد انتظار دام قرابة نصف قرن من الزمن لتحقيق لقب قاري جديد، تبخر حلم المغاربة في لحظة قاسية، وتحول إلى كابوس في وقت بالغ الحساسية من المباراة النهائية لكأس إفريقيا، التي جرت مساء الأحد 18 يناير الجاري، عقب إضاعة ركلة جزاء في الأنفاس الأخيرة من اللقاء.
المشكل في حد ذاته ليس في ضياع ركلة جزاء، فذلك أمر وارد في كرة القدم، وقد أضاعها عبر التاريخ أساطير كبار في نهائيات كبرى التظاهرات العالمية. يكفي التذكير بإضاعة الإيطالي روبرتو باجيو لركلة الترجيح في نهائي كأس العالم 1994 أمام البرازيل، أو البرازيليين زيكو وسقراطيس وغيرهم. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في طريقة التنفيذ، بعدما اختار لاعب ريال مدريد إبراهيم دياز تنفيذ الركلة على طريقة “البانينكا”، في لحظة كانت تتطلب أقصى درجات التركيز وتحمل المسؤولية، وهو ما فُسِّر على نطاق واسع كاستهتار أو سوء تقدير للموقف.
وعلى امتداد تاريخه، فشل المنتخب المغربي مرارًا في حسم المباريات الحاسمة على أرضية مركب مولاي عبد الله، لتأتي هذه المباراة النهائية أمام منتخب سنغالي قوي ومنظم، شكل أول اختبار حقيقي للنخبة الوطنية في هذه الدورة. منتخب السنغال تحكم في مجريات اللقاء، ولعب بهدوء وثقة، ورفع النسق متى شاء وخفضه متى أراد، في وقت وجد فيه المنتخب المغربي صعوبات كبيرة لاختراق الدفاع السنغالي، رغم بعض الهفوات التي لم يتم استغلالها بالشكل المطلوب، خصوصًا من طرف الكعبي الذي أضاع فرصًا سانحة للتسجيل، وإن كانت قليلة.
هذا الأسلوب المتوازن والذكي للمنتخب السنغالي كشف بالملموس عن عيوب المنتخب المغربي، وسلط الضوء على الاختيارات البشرية والتكتيكية للناخب الوطني وليد الركراكي، وهي اختيارات كانت نتائجها السلبية مخفية في مباراتي الكاميرون ونيجيريا. فقد تبيّن أن الانتقادات التي وُجهت لبعض هذه الاختيارات لم تكن تشكيكًا في الوطنية كما رُوِّج لها، بل كانت ملاحظات تقنية في محلها.
ويتعلق الأمر بلاعبين تم استدعاؤهم رغم معاناتهم من إصابات، مثل رومان سايس، وآدم ماسينا، وحمزة إيكمان، حيث عاودت الإصابات هؤلاء اللاعبين وحرمت المنتخب من خدماتهم في لحظات حاسمة، بل إن إيكمان غادر الملعب بعد دقائق قليلة من إشراكه. كما شملت الانتقادات لاعبين لا يؤهلهم مستواهم الحالي لحمل قميص المنتخب، بسبب قلة المنافسة أو تراجع الأداء أو غيابهم شبه التام عن أنديتهم، من قبيل إلياس بن الصغير، وإلياس أخوماش، وإبراهيم دياز الذي عانى بدنيًا أمام نيجيريا والسنغال، ثم جواد الياميق الذي لا يشارك بانتظام مع فريقه النجمة السعودي، متذيل ترتيب الدوري بنقطة واحدة فقط.
في المقابل، طُرحت علامات استفهام كبيرة حول وجود لاعبين لم يُعتمد عليهم مطلقًا، مثل المدافع آيت بودلال وشمس الدين الطالبي، دون توضيحات مقنعة من الطاقم التقني.
اختيارات وليد الركراكي أعادت إلى الأذهان سيناريو مونديال قطر 2022، حين تعرض أكرد وسايس للإصابة، ولم يجد المنتخب بديلاً في المستوى على دكة الاحتياط. الأمر ذاته تكرر في هذا النهائي، حيث لم تُقدم التغييرات أي إضافة تُذكر، وبدا أنها تغييرات من أجل التغيير فقط، دون تأثير فعلي على مردود الفريق.
خسارة المنتخب المغربي في نهائي كأس إفريقيا، التي علّق عليها المغاربة آمالًا عريضة، تُعد فشلًا ذريعًا تتحمل مسؤوليته مختلف مكونات المنظومة الكروية الوطنية. فرئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، الذي تُوِّجت ولايته بالعديد من الألقاب القارية في مختلف الفئات السنية وكرة القدم داخل القاعة، ما زال لقب كأس إفريقيا للكبار عصيًا عليه منذ سنة 2017.
أما المدرب وليد الركراكي، الذي جعل التتويج القاري هدفه الأسمى، فلم يتردد في خرجات إعلامية متعددة في التأكيد على أنه الأجدر بإعادة كأس إفريقيا إلى المغرب، بل وتعهد في دورة 2023 بالكاميرون بتقديم استقالته في حال الفشل في بلوغ نصف النهائي، قبل أن يُقصى من دور ثمن النهاية ويُمنح فرصة ثانية، مع توفير ظروف استثنائية لم تُتح لغيره من المدربين السابقين: مركز تدريب من أفضل المراكز، وسائل لوجيستيكية متطورة، مركز استشفائي، قاعات للتدليك، وأطقم تقنية وطبية من أعلى مستوى.
ورغم كل ذلك، كان السقوط مدويًا في نهائي كأس إفريقيا، في مباراة لم يُحسن تدبيرها، وارتُكبت خلالها أخطاء قاتلة. ويظل مشهد إضاعة ركلة الجزاء الحاسمة في آخر لحظات اللقاء، بتلك الطريقة غير المقبولة من لاعب ينتمي إلى ريال مدريد، عنوانًا بارزًا لهذا الإخفاق، حيث طغى حب الاستعراض على منطق التنفيذ السليم.
ويتساءل المتتبعون: هل أصبح سوء التصرف في اللحظات الحاسمة قدرًا يلازم المنتخب المغربي في النهائيات القارية؟ ففي نهائي كأس إفريقيا تونس 2004، كان خطأ فادح للحارس خالد فوهامي وراء تتويج المنتخب التونسي، بعدما استغله المهاجم الجزيري. وفي “كان 2025”، أهدى إبراهيم دياز اللقب لمنتخب السنغال بإضاعة ركلة جزاء حاسمة بطريقة ساذجة.
إلى متى ستستمر هذه السذاجة التي حرمت المنتخب المغربي من ألقاب إفريقية كانت في المتناول، في فترات كان فيها الأفضل قاريا
المدرب السنغالي باب تياو استخدم دهاءه ومستغلا سذاحة وليد الركراكي ليخرج المنتخب المغربي من التركيز بعد الإعلان عن ركلة الجزاء، وقد طبق سيناريو محبوك غير من خلاله نتيجة المباراة لصالحه والفوز بالكأس القارية ،



