الصحافة المستقلة في مراكش بين واجب الرقابة وضغوط الإقصاء…

هند جوهري
تشهد كواليس التواصل بمدينة مراكش، خلال الآونة الأخيرة، تحولات مقلقة ألقت بظلالها على واقع العمل الإعلامي، وأفرغت رسالته النبيلة من جوهرها القائم على الحرية والتعددية، فقد بات المشهد محكوماً، في كثير من الأحيان، بمنطق الانتقاء، حيث تفتح أبواب المعلومة والامتيازات أمام من يتقن خطاب الإشادة، بينما توصد في وجه الأصوات التي تمارس حقها المشروع في النقد والتساؤل .
هذا الوضع لا يعكس مجرد خلل عابر في تدبير التواصل، بل يكشف عن توجه آخذ في الترسخ، تقوده بعض الجهات المسؤولة عن الشأن المحلي، في اتجاه فرض نوع من الوصاية غير المعلنة على الفضاء الإعلامي، وصاية تمتد، بحسب متتبعين، لتشمل دواليب القرار الحزبي وبعض المؤسسات العمومية والشركات التنموية، بما يفرز واقعاً تصنيفياً يقسم الجسم الصحافي إلى فئتين: فئة “مقربة” تحظى بالدعم والتسهيلات، وأخرى “مزعجة” تواجه بالتهميش والتضييق .
وفي خضم هذا السياق، برزت إشكالية أخرى لا تقل إثارة للجدل، تتعلق بطريقة توزيع الدعم المادي على المنابر الإعلامية، إذ يطرح مهنيون تساؤلات ملحة حول المعايير المعتمدة في منح هذا الدعم، ولماذا تستفيد بعض الجرائد الإلكترونية دون غيرها؟ وهل تخضع هذه العملية لدفتر تحملات واضح وشفاف، أم أنها تظل رهينة اعتبارات غير معلنة، قد تفتح الباب أمام منطق الانتقائية والمحاباة؟
كما لوحظ، في موازاة ذلك، توجه عدد من المؤسسات العمومية إلى الاستعانة بوكالات تواصل خاصة، في خطوة تقدم تحت غطاء تحديث آليات العمل، لكنها في العمق تثير مخاوف حقيقية بشأن خوصصة المعلومة العمومية، إذ يجد الصحافي نفسه أمام مساطر معقدة وحواجز بيروقراطية، غالبا ما تنتهي بالصمت أو بتأجيل الإجابات، ما يقوض حقه في الوصول إلى المعلومة في وقتها المناسب .
ويرى متابعون أن هذا التوجه قد يشكل محاولة غير مباشرة لاحتواء الإعلام المستقل، عبر تفويض تدبير العلاقة مع الصحافة إلى شركات علاقات عامة، تتولى “تصفية” ما يعتبر مزعجا من الأسئلة، وتقديم خطاب ترويجي جاهز، بعيد عن روح النقد والمساءلة، وهو ما يتعارض مع المقتضيات الدستورية التي تضمن الحق في المعلومة، ويحول مؤسسات ممولة من المال العام إلى فضاءات مغلقة .
وبينما يظل من حق الفاعلين الخواص تسويق صورتهم بالوسائل التي يرونها مناسبة، فإن المؤسسات العمومية مطالبة، بحكم مسؤوليتها، بالانفتاح على مختلف التعبيرات الإعلامية، والتفاعل مع النقد باعتباره رافعة للإصلاح لا تهديداً له، غير أن ما يطبع المشهد المحلي بمراكش اليوم يعكس، في كثير من جوانبه، منطقاً مقلقاً يجعل من المعلومة امتيازاً يمنح، وأداة للضغط تمنع، في تعارض واضح مع مبادئ الحكامة الجيدة .
وإن استمرار هذه الممارسات من شأنه أن يكرس واقعاً تواصلياً هشاً، ويقوض الثقة بين المؤسسات ووسائل الإعلام، بل ويضعف الدور الحيوي للصحافة كسلطة رقابية تساهم في بناء مجتمع ديمقراطي سليم، فحين تحاصر الكلمة الحرة، وتكافأ الأقلام المهادِنة، يصبح الخاسر الأكبر هو المواطن، الذي يظل في حاجة إلى إعلام مهني مستقل، ينقل الحقيقة كما هي، لا كما يراد لها أن تكون .



