سياسةمجتمع

المتقاعدون في صلب البرامج الانتخابية

مكتب اسفي؛ فؤاد الياجيزي

 

مع انطلاق الحملة الانتخابية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر في 23 شتنبر 2026، تتجه أنظار الناخبين إلى مضامين البرامج التي تعرضها الأحزاب والمرشحون، ومدى قدرتها على ملامسة القضايا الاجتماعية الحقيقية، وفي مقدمتها ملف المتقاعدين الذي ظل لسنوات خارج صدارة النقاش الانتخابي، رغم ارتباطه المباشر بالعدالة الاجتماعية والعيش الكريم.

إن تضمين المطالب الاجتماعيةللمتقاعد في البرامج الانتخابية لم يعد ترفًا سياسيًا أو محاولة لاستمالة شريحة انتخابية واسعة، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية الأحزاب في الدفاع عن الدولة الاجتماعية.فالمتقاعد ليس مجرد مستفيد من معاش، وإنما مواطن أفنى سنوات من العمل والإسهام في بناء الإنسان كما الاقتصاد والإدارة والمجتمع، ويستحق أن يحظى بسياسات عمومية تحفظ كرامته وتضمن له ولأسرته حماية اجتماعية لائقة.

ويتركز جزء مهم من مطالب المتقاعدين في الرفع من قيمة المعاشات، وخاصة بالنسبة إلى أصحاب المعاشات الهزيلة، بما يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة ويحمي القدرة الشرائية لدوي حقوقهم . وقد جددت فئات المتقاعدين ومنهم متقاعدو وزارة التربية الوطنية ، مطلب الزيادة العامة في المعاشات ، ورفع الحد الأدنى للمعاش ، فضلًا عن تمكين الأرملة من الاستفادة من معاش زوجها المتقاعد كاملًا بدل نصفه، مع ماينبغي له من معالجة شمولية، حتى لا يُختزل في مطلب زيادة مالية فقط. فالمتقاعدون يواجهون أعباء العلاج، وارتفاع أسعار الأدوية، وتكاليف الأمراض المزمنة، وصعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية والاجتماعية. لذلك يفترض أن تتضمن البرامج الانتخابية إجراءات واضحة لتحسين التغطية الصحية التكميلية، وتبسيط الاستفادة من العلاج، وإحداث آليات دعم لفائدة أصحاب المعاشات الضعيفة والأرامل وذوي الحقوق، وهي مطالب سبق أن أثيرت ضمن مذكرات نسيج جمعوي يمثل المتقاعدين.

وعليه فبرامج الأحزاب الانتخابية يفترض فيها إلى الانتقال من العبارات العامة من قبيل “تحسين أوضاع المتقاعدين” و“تعزيز الحماية الاجتماعية” إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ. مع ما يتطلبه ذلك من اقتراح تحديد قيمة الزيادات ، والفئات المستفيدة منها، والجدول الزمني لتنزيلها، ومصادر تمويلها، مع توضيح علاقتها بالإصلاح الهيكلي لأنظمة التقاعد.فالإصلاح المالي للصناديق يظل ورشًا ضروريًا لضمان استدامة المعاشات، بالنظر إلى التحولات الديمغرافية وتغير بنية سوق الشغل وتزايد عدد المتقاعدين مقارنة بعدد المساهمين. غير أن ربط تحسين معاشات المتقاعدين بشكل كامل بنتائج الإصلاح الهيكلي قد يؤدي إلى تأجيل معالجة أوضاع اجتماعية مستعجلة؛ ولذلك تطالب جمعيات المتقاعدين بالفصل بين الزيادة الاجتماعية العاجلة والإصلاح طويل الأمد.

ومن هنا، فإن الحزب الجادّ، مطالب بتقديم تصور متكامل يقوم على ثلاثة مستويات: معالجة فورية لأوضاع أصحاب المعاشات الضعيفة، وإصلاح عادل ومستدام لأنظمة التقاعد، ثم اعتماد آلية دورية لمراجعة المعاشات وفق تطور الأسعار والتضخم. وبهذه الطريقة يتحول الملف من وعد انتخابي ظرفي إلى سياسة اجتماعية مستمرة.

وتتحمل الأحزاب والمرشحون مسؤولية أخلاقية وسياسية في الاستماع إلى الجمعيات القانونية الممثلة للمتقاعدين وإشراكهم في صياغة البرامج التي تعنيهم. إذ لا يمكن إنتاج سياسة عمومية عادلة لفئة اجتماعية محددة من دون الإنصات إلى تجاربها اليومية، ومعرفة الصعوبات التي تواجهها، كما أن حضور ملف المتقاعدين في الحملات الانتخابية من شأنه أن يوسع مفهوم المشاركة السياسية، ويعيد الاعتبار لفئة راكمت خبرة مهنية ومجتمعية مهمة. فالمتقاعدون ليسوا فئة هامشية أو كتلة انتخابية صامتة، بل مواطنون لهم مطالب مشروعة، وقدرة على التأثير في أسرهم ومحيطه الاجتماعي، وحق في مساءلة الأحزاب عن حصيلة وعودها السابقة،و إن أهمية إدراج ملف المتقاعدين في البرامج الانتخابية لا ترتبط فقط بحجم هذه الفئة، وإنما بكونه يكشف طبيعة التصور الذي تحمله الأحزاب للعدالة الاجتماعية. فالحزب الذي يضع المتقاعد في صلب سياساته يعلن، عمليًا، أن الحماية الاجتماعية لا تتوقف عند نهاية المسار المهني، وأن كرامة المواطن تظل حقًا ملازمًا له في مختلف مراحل حياته.

لذلك، ينبغي أن يقترن كل وعد انتخابي بآلية للتنفيذ والمراقبة والمساءلة البرلمانية. أما الاكتفاء باستحضار معاناة المتقاعدين في اللقاءات الخطابية، ثم إهمالها بعد الوصول إلى المؤسسات، فلن يؤدي إلا إلى تعميق فقدان الثقة في العمل الحزبي والانتخابي…

إن إدراج المطالب الاجتماعية للمتقاعدين في برامج مرشحي الأحزاب المغربية ليس استجابة انتخابية عابرة، بل هو امتحان لجدية المشروع الاجتماعي والسياسي. فالمطلوب اليوم ليس المزيد من الوعود، وإنما تعاقد واضح يضمن معاشًا منصفًا، وتغطية صحية فعالة، وخدمات اجتماعية ملائمة، ومشاركة حقيقية للمتقاعدين في القرارات التي تحدد مستقبلهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock