مقاهي الموصل القديمة.. حكايات الشاي وذاكرة الناس في العراق

تمار عامر
في مدينة الموصل العراقية، لم تكن المقاهي القديمة مجرد أماكن لاحتساء الشاي، بل كانت عالماً صغيراً تختصر فيه حكايات الناس وتفاصيل حياتهم اليومية. هناك، بين أزقة الأسواق القديمة وشوارع المدينة، كان الرجال يلتقون بعد ساعات العمل، ويتبادلون الأخبار والأحاديث، فيما تنبعث رائحة الشاي من السماورات، وتتعالى أصوات القصخون وهو يروي حكايات الأبطال والسير الشعبية.
منذ أكثر من قرنين، احتلت المقاهي مكانة خاصة في حياة الموصل، حتى أصبح لكل محلة تقريباً مقهاها الذي يعرفه أهلها ويقصدونه. وكانت تُعرف بأسماء أصحابها أو المناطق التي تقع فيها، مثل مقاهي باب الجديد وشهر سوق ورأس الكور وشارع نينوى، حيث امتزجت الحياة الاجتماعية بالحركة التجارية والثقافية.
في تلك الأيام، لم يكن المقهى مكاناً للجلوس فقط؛ فقد كان القصخون يجلس أمام رواده، ويروي لهم حكايات الزير سالم وعنترة بن شداد، فيتابعون أحداثها وكأنهم يشاهدونها أمامهم. وكان بعض المقاهي يستضيف قراء المقامات، فيما فضّل آخرون الاستماع إلى الأسطوانات الغنائية القديمة، ولا سيما أغاني أم كلثوم، التي كانت تصدح من أجهزة الغرامافون.
ومن بين الأماكن التي بقيت حاضرة في ذاكرة أبناء المدينة مقهى ابن عبو قديح في بداية شارع النجفي، الذي اشتهر بمجموعته الكبيرة من الأسطوانات الغنائية. وكان صاحبه ذنون يختار الأغاني لرواده، ويبدل الأسطوانات كل بضع دقائق، بينما يقدم الشاي والماء بنفسه. وقد أُغلق المقهى سنة 1970، ثم أُزيل المبنى مع توسعة المنطقة.
وفي باب الجديد، كانت مقاهٍ مثل مقهى غاوي ومقهى الحاج علي ملتقى للعمال والبنائين وأصحاب الحرف، وكان بعض القادمين من القرى المجاورة يبيتون فيها مجاناً. أما في الرابعية، فقد عُرف مقهى إسماعيل الحجار بأجوائه الرياضية، إذ احتضن المصارعة ورفع الأثقال وبعض الألعاب الشعبية.
وللمقاهي حكايات لا تتعلق بأصحابها وروادها فقط، بل بتفاصيل الحياة اليومية أيضاً. فقد كان الشاي يُعد على الفحم، ويُقال إن فحم البلوط كان يمنحه نكهة مميزة، فيما كان الماء يُحفظ في جرار فخارية تُعرف باسم «الحب»، وتوضع فيها قطع الثلج خلال الصيف ليبقى بارداً. وكانت بعض المشروبات، مثل الحامض المصنوع من نوم البصرة، حاضرة إلى جانب الشاي والقهوة.
وتكشف شهادة يونس جاسم البان، الذي أمضى ستة وستين عاماً في العمل داخل المقاهي، جانباً إنسانياً من تلك الحياة. فقد بدأ العمل وهو في السابعة من عمره، بعد وفاة والده، وكان يحمل الماء إلى الزبائن مقابل عشرة فلوس يومياً. ثم تعلم إعداد الشاي وخدمة الرواد، قبل أن يصبح واحداً من الوجوه التي عرفت تفاصيل المقاهي وأسرارها.
ويتذكر البان أن المقاهي كانت تجمع أهل المحلة في علاقات تتجاوز الجلوس وتبادل الأحاديث؛ فإذا غاب أحد الرواد، سأل عنه أصدقاؤه، وإذا مرض زاروه وساعدوه، وربما جمعوا المال لعائلته. كانت تلك الأماكن أشبه ببيوت مفتوحة، يعرف فيها الناس بعضهم بعضاً، ويتشاركون أفراحهم وأحزانهم.
وكانت ألعاب الطاولي والدومينو والشطرنج من وسائل التسلية المعتادة، فيما اكتسبت ليالي رمضان طابعاً خاصاً مع لعبة «الفَرّ»، التي كانت تجمع فرق الأحياء بعد صلاة التراويح، وتستمر المنافسة بينها حتى قبيل الفجر، وسط أجواء من الحماس والمرح.
ومع مرور السنوات، تغيرت صورة المقاهي في الموصل. دخل الراديو ثم التلفزيون، وتراجعت جلسات القصخون والأسطوانات القديمة، وظهرت الكازينوهات الصيفية التي أصبحت ملتقى للأدباء والشعراء والمثقفين، ومن بينها كازينو أطلس الذي احتضن لقاءات ثقافية وأدبية خلال سبعينيات القرن الماضي.
وبدأت المقاهي الشعبية تفقد حضورها تدريجياً منذ ثمانينيات القرن الماضي، فتحول بعضها إلى محال تجارية، واختفت مبانٍ أخرى مع توسع الشوارع وتغير ملامح المدينة. وحلّت المقاهي الحديثة بديكوراتها ومشروباتها المتنوعة مكان كثير من تلك الجلسات البسيطة.
لكن الموصل، المدينة العراقية العريقة، لا تزال تحتفظ في ذاكرة أبنائها بصور تلك الأماكن؛ استكان شاي على الفحم، وجرّة ماء باردة، وأسطوانة لأم كلثوم، وحكاية يرويها قصخون في زاوية مقهى، ورجل ينتظر أصدقاءه كل مساء.
فلم تكن المقاهي القديمة مجرد محطات عابرة في حياة الموصل، بل كانت جزءاً من روحها الاجتماعية، ومن ذاكرة مدينة عاشت تفاصيل كثيرة حول طاولة شاي، وتركت حكاياتها للأجيال التي لم تعرف تلك الأيام.



