نجاة فالو بلقاسم.. من بني شيكر إلى وزارة التربية الفرنسية

في بني شيكر، إحدى قرى الريف المغربي، بدأت حكاية نجاة فالو بلقاسم عام 1977. هناك، في المكان الذي عاشت فيه سنوات طفولتها الأولى، لم تكن الطريق التي تنتظرها تبدو مختلفة عن طرق كثير من أبناء الريف. طفلة تكبر وسط عائلة بسيطة، قبل أن تتغير ملامح حياتها في سن الرابعة، حين انتقلت مع أسرتها إلى فرنسا.
كان الانتقال إلى بلد جديد يعني بداية أخرى. كبرت نجاة في ضواحي أميان، وهناك بدأت علاقتها الأولى باللغة الفرنسية والمدرسة والمجتمع الذي ستعيش فيه بقية حياتها. لم يكن التعليم بالنسبة إليها مجرد مرحلة عابرة، بل صار الطريق الذي أخذها تدريجياً من مقاعد المدرسة إلى الجامعة، ثم إلى فضاء السياسة.
درست القانون، ثم انتقلت إلى باريس للدراسة في معهد الدراسات السياسية «ساينس بو»، وتخرجت عام 2000. وبعد دراستها عملت في مجال القانون، قبل أن تقترب أكثر من عالم السياسة والعمل العام.
في عام 2002 انضمت إلى الحزب الاشتراكي الفرنسي، ثم بدأت عام 2003 العمل في فريق جيرار كولومب في ليون. وفي عام 2004 انتُخبت مستشارة إقليمية في منطقة رون-ألب، لتبدأ من هناك رحلة سياسية أخذتها تدريجياً من العمل المحلي إلى المشهد الوطني.
لم تتوقف خطواتها عند ليون. في 2007 أصبحت واحدة من المتحدثات باسم سيغولين روايال خلال حملتها الرئاسية، ثم واصلت حضورها داخل الحزب الاشتراكي، قبل أن تصبح عام 2012 من المتحدثات باسم حملة فرانسوا هولاند.
وجاءت اللحظة التي نقلتها من موقع المتحدثة إلى مقعد الحكومة. ففي عام 2012 دخلت نجاة فالو بلقاسم الحكومة الفرنسية وزيرةً لحقوق المرأة ومتحدثة باسم الحكومة، ثم تولت لاحقاً ملفات أخرى.
لكن المحطة التي ارتبط اسمها بها أكثر من غيرها جاءت في أغسطس 2014.
في ذلك العام عُيّنت وزيرة للتربية الوطنية والتعليم العالي والبحث، وأصبحت أول امرأة تتولى وزارة التربية الوطنية في فرنسا. كانت في السادسة والثلاثين من عمرها، وانتقلت من طفلة جاءت إلى فرنسا في الرابعة من عمرها إلى واحدة من أكثر الوزارات حضوراً في حياة الفرنسيين.
هنا بدا المشهد مختلفاً تماماً عن بداياتها في بني شيكر. الطفلة التي غادرت المغرب أصبحت الآن مسؤولة عن ملف التعليم في دولة عاشت فيها منذ طفولتها، وفي وزارة يرتبط عملها مباشرة بملايين الطلاب والمعلمين والأسر.
خلال تجربتها الوزارية، ارتبط عملها بملفات التعليم والمساواة ومواجهة التفاوتات التعليمية. وبعد مغادرتها الحكومة، واصلت حضورها في النقاش العام والعمل المرتبط بالسياسات العامة والمساواة والتعليم.
انتهت تجربتها الوزارية عام 2017، لكن مغادرتها الحكومة لم تعنِ ابتعادها عن المجال العام. عملت لاحقاً في مجالات مرتبطة بالسياسات العامة والتنمية، وتولت مسؤوليات في منظمات ومؤسسات مختلفة، من بينها منظمة «فرنسا أرض اللجوء».
وهكذا، لم تعد قصة نجاة فالو بلقاسم مجرد انتقال جغرافي من المغرب إلى فرنسا. إنها أيضاً قصة انتقال بين عوالم: من قرية في الريف المغربي إلى مدرسة في ضواحي أميان، ومن دراسة القانون إلى «ساينس بو»، ومن العمل المحلي في ليون إلى الحكومة الفرنسية، ثم إلى وزارة التربية التي أصبحت أول امرأة تتولى قيادتها.
وربما لهذا السبب ظل التعليم حاضراً في مسيرتها حتى بعد مغادرتها الوزارة. فقد واصلت نشاطها في مجال السياسات العامة، إلى جانب عملها في قضايا المساواة والشأن الاجتماعي، واستمرت في الارتباط بمجال التعليم والنقاش حول السياسات العامة.
من بني شيكر إلى باريس، لم تكن المسافة مجرد آلاف الكيلومترات. كانت رحلة عمر كاملة، عبرتها نجاة فالو بلقاسم من خلال المدرسة والجامعة والعمل والسياسة، حتى وصلت إلى المكان الذي أصبحت فيه هي نفسها جزءاً من قصة التعليم الفرنسي.
وهكذا بقيت البداية الأولى، مهما ابتعدت عنها السنوات، جزءاً من الحكاية: طفلة غادرت المغرب في الرابعة، وكبرت في فرنسا، ثم عادت قصتها إلى الواجهة كلما طُرح سؤال واحد:
إلى أي مدى يستطيع التعليم أن يغيّر مسار الإنسان؟
تمار عامر



