الجهوية المتقدمة بسوس ماسة حين تهدد الخلافات السياسية مسار التنمية

مكتب أكادير / هشام الزيات
لم يعد النقاش الدائر حول طريقة تدبير شؤون مجلس جهة سوس ماسة مجرد اختلاف عابر في وجهات النظر بين مكونات المؤسسة المنتخبة، بل بات يطرح، في نظر متابعين للشأن المحلي، أسئلة أعمق حول قدرة المؤسسات الجهوية على الاضطلاع بالأدوار المنوطة بها، في ظل ما قد تفرزه الخلافات السياسية من تعثر في اتخاذ القرار .
فالجهوية المتقدمة لم تُطرح باعتبارها مجرد إعادة توزيع للمسؤوليات والاختصاصات، وإنما كخيار مؤسساتي يروم تقريب القرار من المواطنين، وتعزيز قدرة الجهات على المبادرة، وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع والاستجابة للحاجيات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية للساكنة .
ومن هذا المنطلق، فإن أي خلاف سياسي داخل مؤسسة منتخبة يظل أمراً طبيعياً ومشروعاً، ما دام يمارس في إطار المؤسسات والقانون، ويستند إلى النقاش والحجة والتصويت. غير أن الإشكال يبدأ عندما يصبح الخلاف سبباً في تعطيل عمل المؤسسة أو تأخير القرارات والبرامج التي ترتبط بشكل مباشر بمصالح المواطنين .
فالمعارضة، مهما كان موقعها، تشكل جزءاً أساسياً من العمل المؤسساتي، ومن حق أي مكون أن ينتقد أو يعترض أو يرفض مشروعاً أو اتفاقية أو توجهاً معيناً. لكن المعارضة المؤسساتية تقتضي في المقابل تحمل المسؤولية السياسية عن المواقف المتخذة، والاحتكام إلى الآليات القانونية والديمقراطية المتاحة داخل المجلس .
وفي المقابل، فإن تدبير المؤسسات المنتخبة يفترض أيضاً الابتعاد عن منطق تحويل المواقع والامتيازات إلى أدوات للصراع، لأن المسؤولية الانتخابية في جوهرها تكليف لخدمة المواطنين وليست مجالاً لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية ضيقة .
وفي نهاية المطاف، فإن المواطن لا تعنيه كثيراً تفاصيل الخلافات الداخلية بين التحالفات أو المكونات السياسية بقدر ما تعنيه النتائج الملموسة على أرض الواقع: هل تنجز المشاريع في آجالها؟ هل تنفذ البرامج التنموية؟ هل تستثمر الموارد العمومية بالشكل الأمثل؟ وهل تتحرك المؤسسة الجهوية بالسرعة التي تفرضها حاجيات الساكنة وانتظاراتها؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في جهة سوس ماسة، التي تواجه تحديات متعددة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، وتحتاج إلى مؤسسات قادرة على الحفاظ على استمرارية العمل التنموي، بصرف النظر عن طبيعة التحالفات والتوازنات السياسية المتغيرة .
فالتحالفات قد تتغير، والخلافات السياسية قد تتسع أو تضيق، والمواقف قد تتباين، لكن البرامج والمشاريع العمومية لا ينبغي أن تصبح رهينة لهذه التحولات، ومسؤولية المنتخبين، بمختلف مواقعهم، تظل مرتبطة أولاً وأخيراً بحماية استمرارية المرفق والمؤسسة وخدمة الصالح العام .
إن ورش الجهوية المتقدمة يحتاج إلى ممارسة سياسية تقوم على الاختلاف المسؤول، وعلى الحوار، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما يحتاج إلى نخب منتخبة تدرك أن الموقع الانتخابي ليس امتيازاً شخصياً، وإنما مسؤولية أمام المواطنين .
وفي هذا السياق، يظل السؤال مطروحاً داخل سوس ماسة: هل تستطيع مختلف مكونات المجلس الجهوي تحويل خلافاتها السياسية إلى نقاش مؤسساتي منتج، يحافظ على استمرارية العمل التنموي، ويضع مصالح المواطنين فوق الحسابات الظرفية؟
فنجاح الجهوية المتقدمة لا يقاس فقط بعدد الاختصاصات التي انتقلت إلى الجهات، وإنما أيضاً بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على ممارسة هذه الاختصاصات بمسؤولية وفعالية، وتحويل الاختلاف السياسي من عنصر تعطيل إلى فرصة للنقاش والتصحيح وتحسين الأداء .



