المجلس الوطني لهيئة المتقاعدين المغاربة يعقد مجلسه الوطني.

المجلس الوطني في دورته الثانية : من زمن الوعود إلى زمن الوفاء والتنزيل
رئيس لجنة الإعلام و التواصل و الشراكات بهيئة المتقاعدين المغاربة
تنعقد الدورة الثانية للمجلس الوطني لهيئة المتقاعدين المغاربة يومي 24 و25 أكتوبر 2026 ، بالمقر المركزي للهيئة بالرباط، تحت شعار دالّ ومعبّر عن جوهر المرحلة:
«الزيادة العامة في المعاشات مدخل أساسي لتفعيل الدولة الاجتماعية».
وليس اختيار هذا الشعار مجرد صياغة لفظية أو عنوان لمحطة تنظيمية عابرة، بل هو تعبير عن وعي جماعي بأن ملف المتقاعدين وذوي الحقوق دخل مرحلة جديدة، تستوجب الانتقال من التشخيص والمطالبة إلى المتابعة والترافع من أجل التنزيل والتفعيل.
وتكتسب هذه الدورة أهمية استثنائية لكونها تنعقد في سياق وطني غير عادي، أعقب الانتخابات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026، وما أفرزته من أغلبية حكومية جديدة ومعارضة برلمانية، وفي ظل انتظارات واسعة للمتقاعدين وذوي الحقوق لمعرفة مدى التزام مختلف الأحزاب بما تضمنته برامجها الانتخابية من وعود وتعهدات تخص هذه الفئة التي أفنت زهرة عمرها في خدمة الوطن ومؤسساته.
لقد اختارت هيئة المتقاعدين المغاربة، منذ البداية، أن تجعل من استقلاليتها عن أي توجه سياسي أو نقابي أساساً لترافعها، وأن تفتح قنوات التواصل مع مختلف الفاعلين دون اصطفاف أو توجيه انتخابي. ومن هذا المنطلق، جاءت المذكرة المطلبية التي وجهتها الهيئة إلى مختلف الأحزاب السياسية، باعتبارها وثيقة ترافعية تضع قضايا المتقاعدين وذوي الحقوق أمام الجميع، وتدعو إلى إدراجها ضمن البرامج والالتزامات السياسية والبرلمانية.
وقد شكل هذا الترافع محطة ناجحة بكل المقاييس، بعدما تجاوبت جل الأحزاب مع المطالب التي حملتها المذكرة، وأدرجت عدداً منها، وفي مقدمتها الزيادة في المعاشات، ضمن برامجها وخطابها الانتخابي. وهو ما يجعل المرحلة الراهنة مختلفة عن سابقاتها؛ إذ لم تعد المطالب مجرد مقترحات تطرح في فضاءات الترافع، بل أصبحت، في جانب منها، التزامات معلنة تنتظر الوفاء والتنزيل.
ومن هنا تبرز القيمة التاريخية والتنظيمية للدورة الثانية للمجلس الوطني. فهي لا تأتي فقط لتقييم مرحلة سابقة أو مناقشة قضايا تنظيمية، وإنما لتضع خريطة طريق جديدة لعمل الهيئة واستراتيجية ترافعها في ضوء التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد.
إن المجلس الوطني مطالب اليوم بأن يقرأ المرحلة بواقعية وجرأة، وأن يعيد ترتيب أولويات الملف المطلبي بما ينسجم مع خصوصية اللحظة، وأن يجعل من الزيادة العامة في المعاشات مدخلاً مركزياً للمرحلة المقبلة، إلى جانب باقي المطالب العادلة والمشروعة، وفي مقدمتها تمكين الأرملة من معاش زوجها كاملاً، وتحسين وتجويد الخدمات الصحية والاجتماعية، وتعزيز تمثيلية المتقاعدين وذوي الحقوق في المؤسسات والهيئات المعنية بقضاياهم.
فالمعركة اليوم ليست معركة هيئة وحدها، ولا مسؤولية المتقاعدين وحدهم؛ إنها قضية اجتماعية ومجتمعية تتطلب انخراط الجميع.
فالأحزاب السياسية، سواء كانت ضمن الأغلبية الحكومية أو في صفوف المعارضة، مطالبة بتحويل ما ورد في برامجها الانتخابية من وعود إلى سياسات وقرارات وإجراءات ملموسة. والمجتمع المدني مدعو إلى مواصلة الترافع من أجل العدالة الاجتماعية والإنصاف.
والإعلام مطالب بأن يجعل من قضايا المتقاعدين وذوي الحقوق موضوعاً دائماً للنقاش العمومي، لا ملفاً موسمياً يستعاد عند كل استحقاق انتخابي. أما المتقاعدون أنفسهم، ومعهم الأجيال النشيطة، فعليهم أن يدركوا أن الدفاع عن كرامة المتقاعد ليس دفاعاً عن فئة بعينها، بل دفاع عن قيمة العمل والعطاء ومبدأ الاعتراف بالجميل.
لقد آن الأوان لأن يتحول النقاش حول المتقاعد من منطق الإحسان إلى منطق الحق والإنصاف، ومن منطق الانتظار إلى منطق الالتزام، ومن الوعود إلى التنزيل.
فالذين أفنوا سنوات عمرهم في خدمة الوطن لا يطلبون امتيازاً، وإنما يطالبون بحق مشروع في العيش الكريم، وفي معاش يحفظ كرامتهم ويواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ومن هنا أيضاً تأتي مسؤولية الجهة الوصية والحكومة الجديدة في جعل ملف المتقاعدين جزءاً أصيلاً من ورش الدولة الاجتماعية، لأن الدولة الاجتماعية لا تكتمل شعاراتها إلا حين يشعر المواطن، بعد عقود من العطاء، بأن الدولة التي خدمها لا تنساه حين يبلغ سن التقاعد.
إم محطة المجلس الوطني في نسختها الثانية بالرباط، بما تحمله من دلالات تنظيمية ومطلبية وسياسية، ينبغي أن تكون محطة للانتقال إلى مستوى جديد من العمل المؤسساتي والترافعي؛ مستوى يقوم على الرصد والمتابعة والمساءلة والتقييم، وعلى بناء شراكات واسعة مع كل القوى الحية المؤمنة بالعدالة الاجتماعية والإنصاف.
إن هيئة المتقاعدين المغاربة، وهي تدخل هذه المرحلة، لا تصطف إلى جانب حزب ضد آخر، ولا تمنح صكوكاً سياسية لأحد؛ وإنما تضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وتتابع ما أعلنوه، وتنتظر ما سيلتزمون به. فالانتخابات انتهت، لكن وعودها لم تنتهِ.
واليوم يبدأ الامتحان الحقيقي:
هل تتحول الوعود الانتخابية إلى قرارات؟ وهل تنتقل مطالب المتقاعدين من البرامج إلى السياسات؟ وهل تصبح الزيادة العامة في المعاشات مدخلاً فعلياً لتجسيد الدولة الاجتماعية؟
تلك هي الأسئلة التي ستفرض نفسها على جدول أعمال المرحلة المقبلة، وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن تحملها دورة المجلس الوطني الثانية.
إن ذاكرة المتقاعد لا تشيخ، والوعود لا تسقط بالتقادم.
وإذا كانت هيئة المتقاعدين المغاربة قد اختارت أن ترافع باستقلالية ومسؤولية، فإنها اليوم تفتح صفحة جديدة عنوانها: المتابعة من أجل الوفاء، والترافع من أجل التنزيل، والنضال من أجل الإنصاف.
فالمرحلة لم تعد مرحلة إطلاق الوعود، وإنما مرحلة الوفاء بها؛ ولم يعد المطلوب فقط أن يُسمع صوت المتقاعد، بل أن يتحول هذا الصوت إلى قرار اجتماعي عادل يحفظ الكرامة ويكرّس المواطنة ويجعل من الدولة الاجتماعية واقعاً معاشاً، لا مجرد شعار.



