هل استغنت حكومة السيدة المنصوري عن الإعلام أم أعلنت وفاته؟

يسبريستيفي: هند جوهري
في سابقة أثارت اندفاعة من الذهول والاستغراب داخل الكواليس الإعلامية وفي مقرات المقاولات الصحفية، خلت تشكيلة الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري من أي إشارة لـ«وزارة التواصل»؛ خطوة دراماتيكية جاءت لتطرح أسئلة حارقة عما إذا كانت هذه الهندسة الحكومية المستحدثة تجسد إستراتيجية للتنصل الإداري من صداع الصحافة المستقلة، أم أنها مجرد إعلان غير رسمي عن إلحاق الإعلام بالظل الإداري وتبعيته الهامشية لحقائب أخرى، في وقت تمر فيه المهنة بأشد أزماتها الهيكلية.
تأتأت الهندسة التنظيمية لترمي بجسد الصحافة والنشر بين أروقة قطاعات الثقافة والشباب تاركة التساؤلات مشتعلة حول الجهة التي ستحمل الحرج السياسي وتتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن قطاع يُفترض أنه السلطة الرابعة؛ إذ غاب الاسم صراحة عن هيكل الجهاز التنفيذي ليترك المهنيين يتساءلون باستهجان: هل أصبح الإعلام قطاعاً نادماً عليه، أم أن الحكومة الجديدة قررت معالجة أزمات الصحافة بالنكران والتغاضي وإلغاء الحقيبة من أصلها؟
إن الخشية التي تسكن نفوس الجسم الصحفي اليوم لا تنبع من مجرد شغف حزبي بوجود إسم «التواصل» على لافتة وزارية، بقدر ما تتغذى من مظاهر عدم الإكتراث السياسي بقطاع يئن تحت وطأة الإفلاس الاقتصادي، والتحول الرقمي المربك، وانتشار الشائعات؛ إذ يبدو من المفارقة المأساوية أن تُترك المقاولات الصحفية تُصارع وحيدة لتأمين أجور أطقمها، وتطوير نماذجها الرقمية، وحماية حق المواطن في المعلومة، بينما تنظر إليها الهندسة الحكومية كملف إداري ثانوي يمكن إلحاقه بجرة قلم بأي قطاع آخر دون إيضاح للرؤية أو الاستراتيجية.
والحديث عن قوة الدولة واستقرار مؤسساتها يتناقض جملة وتفصيلاً مع محاولة تهميش الصحافة المهنية وإضعاف بيئتها، فالصحافة الحرة والمسؤولة ليست عبئاً بيروقراطياً تُقلص ميزانيته أو يُستغنى عن حقيبته للتخفيف من التضخم الوزاري، بل هي الرئة التي تتنفس منها الديمقراطية والتعددية، وما لم تسارع الحكومة إلى تقديم توضيحات مؤسساتية حاسمة تضمن حماية الاستقلالية وتنظيم الدعم الشفاف، فإن هذا «السقوط» التنظيمي سيبقى وصمة شائكة تُقرأ على أنها رغبة غير معلنة في تحييد الرقابة وإسكات المساءلة.



