مقالات واراء

بين العراق والمغرب.. لماذا يحتاج المجتمع إلى صحافة تطرح الأسئلة؟

تمار عامر

لا يقتصر دور الصحافة على نقل الأخبار ومتابعة الأحداث اليومية، بل يمتد إلى محاولة فهم ما وراءها وطرح الأسئلة التي تشغل الناس. فمعرفة ما يحدث مهمة، لكن فهم أسبابه وتأثيره في حياة المجتمع لا يقل أهمية عنها. ومن هنا تأتي قيمة صحافة الرأي والتحليل، التي لا تكتفي بوصف الواقع، بل تحاول مناقشة أسبابه وفتح المجال أمام آراء مختلفة حوله.

وتبدو أهمية هذا الدور أوضح عند النظر إلى مجتمعات تختلف في تاريخها وثقافتها وظروفها الاجتماعية، مثل العراق والمغرب. ففي العراق، يتسم المجتمع بتنوع قومي وديني ومذهبي، إلى جانب اختلاف العادات والبيئات والتجارب بين منطقة وأخرى. أما المغرب، فتتداخل في هويته روافد عربية وأمازيغية وصحراوية، وتظهر ملامح هذا التنوع في اللغة والعادات والفنون وأنماط الحياة. ولا يعني هذا التنوع أن أفراد المجتمع الواحد يتشاركون الأفكار والظروف نفسها، بل إن لكل بيئة خصوصيتها، ولكل فئة قضايا قد تختلف عن قضايا غيرها.

ومن هنا، لا يمكن للصحافة أن تتعامل مع المجتمع بوصفه كتلة واحدة، أو أن تكتفي بتقديم صورة عامة عن الناس. ففهم القضايا الاجتماعية يحتاج إلى معرفة ظروفها والاستماع إلى تجارب مختلفة، بعيداً عن الأحكام المسبقة والتعميم. كما أن المقارنة بين العراق والمغرب لا تعني البحث عن أوجه التشابه وحدها، بل فهم الأسباب التي تجعل بعض القضايا متقاربة في ظاهرها، ومختلفة في تفاصيلها وسياقاتها.

وتقدم احتجاجات تشرين التي شهدها العراق عام 2019 مثالاً على أهمية طرح الأسئلة حول المطالب الاجتماعية. فقد خرج متظاهرون، كان الشباب في مقدمتهم، مطالبين بفرص العمل وتحسين الخدمات ومواجهة الفساد، واتسعت الاحتجاجات لتصبح محطة مهمة في النقاش العام حول علاقة المواطنين بالمؤسسات وأولويات الدولة. ولم تكن أهمية هذه الأحداث في نقل مشاهد الاحتجاج وحدها، بل في الحاجة إلى فهم الظروف التي دفعت الناس إلى الشارع، وما تكشفه مطالبهم عن مشكلات تمس حياتهم اليومية. وقد وثقت تقارير إخبارية آنذاك مطالب المحتجين المتعلقة بالبطالة وسوء الخدمات والفساد.

وفي المغرب، شهد خريف عام 2025 احتجاجات شبابية ارتبطت بمطالب تحسين التعليم والرعاية الصحية، وبالنقاش حول أولويات الإنفاق العام. وانتشرت الدعوات إلى التحرك عبر منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تتحول الاحتجاجات إلى قضية حاضرة في النقاش الوطني. وأظهرت هذه التجربة أهمية الإصغاء إلى ما يشغل الشباب، وفهم العلاقة بين مطالبهم اليومية والسياسات العامة، بدلاً من الاكتفاء بوصف الاحتجاجات أو التركيز على أحداثها الأكثر إثارة.

ورغم اختلاف الظروف بين العراق والمغرب، فإن المثالين يفتحان سؤالاً مشتركاً: كيف تستطيع الصحافة أن تشرح أسباب الاحتجاجات ومطالب الناس، وأن تميز بين الوقائع والتفسيرات، وأن تمنح الجمهور صورة تساعده على الفهم؟ فالتغطية الصحفية لا تنتهي عند معرفة ما حدث، بل تحتاج إلى البحث في خلفيات الحدث، والاستماع إلى الأطراف المعنية، والتحقق من المعلومات، ومناقشة الحلول الممكنة من دون اختزال القضية في موقف واحد.

وهنا يأتي دور صحافة الرأي، التي تمنح القضايا مساحة أوسع للنقاش. فالمقال الجيد لا يكرر ما يعرفه القارئ، ولا يكتفي بإعلان موقف صاحبه، بل يقدم فكرة واضحة ويستند إلى معلومات وحجج تساعد على فهمها. وقد يختلف الكتّاب في تفسير قضية واحدة، لكن هذا الاختلاف يمكن أن يكون مفيداً عندما يقوم على المعرفة والاحترام، لا على الاتهامات أو الأحكام غير المدعومة بالأدلة.

وتزداد أهمية هذا الدور في المجتمعات المتنوعة، حيث قد تختلف نظرة الناس إلى القضية نفسها تبعاً لبيئاتهم وتجاربهم وظروفهم. ففي العراق والمغرب، كما في غيرهما من البلدان، لا تكفي تجربة فرد واحد للحكم على مجتمع كامل، ولا يمكن فهم قضية اجتماعية من زاوية واحدة. لذلك، تحتاج الصحافة إلى أن تتيح المجال لأصوات مختلفة، وأن تبتعد عن الصور النمطية التي تختزل الناس في انتماءاتهم أو مناطقهم أو مواقفهم.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح التعبير عن الرأي ونقل التجارب أكثر سهولة، لكن سرعة انتشار المعلومات لا تضمن دقتها. فقد تتحول تجربة شخصية إلى حكم عام، أو تنتشر معلومات ناقصة تقدم صورة غير مكتملة عن قضية أو مجتمع. وفي هذا الواقع، تزداد الحاجة إلى صحافة تتحقق من المعلومات، وتضع الأحداث في سياقها، ولا تكتفي بمجاراة ما يحظى بالاهتمام الواسع.

ولا تعني المسؤولية المهنية أن تتجنب الصحافة النقد، كما أن النقد لا يعني رفض كل ما تحققه المؤسسات. فطرح الأسئلة ومناقشة أوجه القصور جزء من العمل الصحفي، شرط أن يستند إلى معلومات موثوقة، وأن يميز بين الحقيقة والرأي. كما أن دعم حرية التعبير يتطلب بيئة تسمح بمناقشة القضايا العامة، ومؤسسات إعلامية تمنح العمل المهني مساحة كافية، وجمهوراً يقدر أهمية المصادر الموثوقة.

وبين العراق والمغرب، تكشف المقارنة أن لكل مجتمع خصوصيته وتحدياته، وأن فهم هذه الخصوصية لا يتحقق بالاكتفاء بوصف الاختلافات الثقافية، بل بربطها بحياة الناس وقضاياهم اليومية. فالصحافة التي تقترب من المجتمع وتنصت إلى أصواته تكون أكثر قدرة على تفسير ما يحدث، وتقديم صورة متوازنة تساعد القارئ على تكوين رأيه.

وفي النهاية، لا تقاس أهمية الصحافة بعدد الأخبار التي تنقلها فقط، بل بقدرتها على توضيح ما وراء الأحداث، وإبقاء الأسئلة الضرورية حاضرة في النقاش العام. فحين تفسح المجال للفهم والنقد المسؤول، تصبح وسيلة لا لنقل ما يجري فحسب، بل لمساعدة المجتمع على فهم نفسه ومناقشة مستقبله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock