مقالات واراء

إذاعة بغداد منذ تأسيسها عام 1936.. تاريخ وذاكرة وطن

تمار عامر

في الأول من تموز عام 1936، انطلق بث إذاعة بغداد، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الإعلام العراقي. ومع عبارة «هنا بغداد» التي أعلنها المذيع عبد الستار فوزي، دخل الصوت الإذاعي إلى حياة العراقيين، وأصبح الراديو نافذة يتابعون من خلالها الأخبار والفنون والبرامج الثقافية. ومنذ ذلك الحين، ارتبطت الإذاعة بذاكرة أجيال عاشت معها تفاصيل الحياة اليومية وتحولات البلاد.

وشهدت البدايات الأولى للإذاعة العراقية أسماءً تركت أثرها في تاريخ الإعلام والفن. فقد سبقت إذاعة بغداد إذاعة قصر الزهور التي أنشأها الملك غازي عام 1936، وارتبطت بها أصوات فنية بارزة، من بينها قارئ المقام محمد القبانجي. ومع بدء البث التجريبي لإذاعة بغداد في الأول من تموز من العام نفسه، انطلقت عبارة «هنا بغداد» بصوت المذيع عبد الستار فوزي، فيما افتتح البث وزير المعارف الشيخ محمد رضا الشبيبي. وشهدت تلك المناسبة تلاوةً قرآنية بصوت عبد العزيز الحكيم، ونشرة أخبار قدّمها إبراهيم حلمي العمر. ولم تكن هذه الأسماء مجرد تفاصيل في سجل التأسيس، بل كانت جزءًا من مرحلة بدأ فيها الراديو ينتقل من المقاهي إلى البيوت، وتتشكّل معها ملامح تجربة إعلامية عراقية جديدة.

لم تكن الإذاعة مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل نافذة ثقافية ومعرفية فتحت أمام المستمع العراقي عوالم جديدة. فمن خلالها تعرّف الناس إلى الحكايات والفنون والأفكار، واكتشفوا أن الكلمة المسموعة قادرة على رسم الصور في الخيال وترك أثر عميق في النفوس.

وقد منحت إذاعة بغداد الفن العراقي مساحة للوصول إلى البيوت، فكانت الأغنية أكثر من لحن عابر، والبرنامج الثقافي فرصة لاكتشاف المعرفة، فيما حملت الأعمال الدرامية قضايا المجتمع إلى المستمعين، وجعلتهم شركاء في الحكاية، يتخيلون شخصياتها وأحداثها ويتفاعلون معها من وراء جهاز الراديو.

وفي مسيرتها، برزت أسماء من المذيعين والمعدين والمخرجين والفنانين الذين أسهموا في ترسيخ تقاليد العمل الإذاعي العراقي. ولم تكن قيمة هذه التجربة في شهرة أصواتها وحدها، بل في قدرتها على بناء علاقة يومية مع المستمع، قوامها وضوح اللغة وجودة الأداء والشعور بالقرب من الناس. وهكذا تشكّلت خبرة مهنية تركت أثرها في الإعلام والثقافة، وانتقلت ملامحها بين أجيال العاملين في هذا المجال.

ولم يقتصر دور الإذاعة على الترفيه، بل امتد إلى التوعية ومناقشة شؤون الحياة. فقد وجدت موضوعات الثقافة والموسيقى والتربية والصحة والقضايا الاجتماعية طريقها إلى الجمهور عبر برامج خاطبت مختلف الأعمار والاهتمامات. وكانت تلك البرامج تفتح أمام المستمع نافذة لفهم ما يحيط به، وتمنحه فرصة للتأمل في مشكلاته اليومية، في زمن كانت فيه وسائل الوصول إلى المعرفة أقل تنوعًا مما هي عليه اليوم.

ولأن العراق عاش تحولات سياسية واجتماعية عميقة، ارتبطت إذاعة بغداد بمحطات مهمة من تاريخه الحديث، وأصبحت بعض أخبارها وبياناتها جزءًا من الذاكرة السياسية للبلاد. وهنا تتجلى العلاقة بين الإعلام والتاريخ؛ فالمؤسسة الإعلامية لا تنقل الحدث فحسب، بل تصبح شاهدة عليه أيضًا، ويغدو أرشيفها وسيلة لفهم ما جرى، وكيف وصل الخبر إلى الناس، وما تركه من أثر في حياتهم.

لكن العلاقة بين الإذاعة وجمهورها لم تبقَ على حالها. فقد غيّرت القنوات الفضائية، ثم المنصات الرقمية، عادات التلقي، وأصبح الخبر متاحًا في كل لحظة، فيما اشتد التنافس على انتباه الجمهور. ولم يعد الإرث التاريخي وحده كافيًا لاستمرار التأثير، بل بات على المؤسسات الإذاعية أن تجدّد محتواها، وتطوّر أدواتها، وتخاطب الأجيال الجديدة بلغة قريبة منها، من دون التفريط بالرصانة والمهنية.

وبوصفي مهتمةً بالإعلام، أرى في حكاية إذاعة بغداد دليلًا على أن أثر الإعلام لا يُقاس بتطوّر تقنياته، بل بقدرته على ملامسة الناس والبقاء في ذاكرتهم. فالتحدي اليوم لا يكمن في إيصال الصوت فحسب، بل في كسب ثقة الجمهور والحفاظ عليها، لتبقى الكلمة مسؤوليةً وأثرًا، لا مجرد حضور عابر.

ومن هنا، فإن استعادة تجربة إذاعة بغداد لا ينبغي أن تقتصر على الحنين إلى الماضي أو استذكار الأسماء والبرامج، بل أن تمتد إلى قراءة أثرها الثقافي والاجتماعي، والتأمل فيما يمكن أن تقدمه للمستقبل. فالتاريخ الإعلامي ليس صفحات تُستعاد في المناسبات، وإنما خبرة تستحق الدراسة والاستفادة منها في تطوير المهنة وتعزيز دورها في المجتمع.

وتبقى إذاعة بغداد إحدى المحطات البارزة في تاريخ الإعلام العراقي، بما حملته من تجارب ثقافية وفنية ومهنية. وبين ما تركته في وجدان أجيال مضت وما تفرضه تحولات الإعلام اليوم، تظل تجربتها تذكيرًا بأن قيمة الوسيلة لا تنبع من تقنياتها وحدها، بل من مضمونها وصدقيتها وقدرتها على بناء علاقة مستدامة مع الجمهور.

فالأوطان لا تحفظ تاريخها بالحجارة والصور وحدها، بل تحفظه أيضًا بالكلمات التي وثّقت أيامها، والأصوات التي نقلت حكاياتها من جيل إلى آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock