مقالات واراء

بين «التعاقد الحكومي» وانتظارات المتقاعدين … من خطاب الأثر إلى اختبار النجاعة الإجتماعية

فؤاد الياجيزي / رئيس الجمعية المغربية لمتقاعدات و متقاعدي وزارة التربية الوطنية.

تقدمت السيدة المحترمة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة ببرنامج حكومتها أمام مجلسي البرلمان يوم الثلاثاء 19 أكتوبر 2026، مقدمةً إياه بوصفه «تعاقداً سياسياً ومؤسساتياً» تُقاس جدواه بالنتائج الملموسة في حياة المواطنين، لا بعدد البرامج ولا بحجم الإستثمارات.

وهنا بالضبط يكمن التحدّي الحقيقي: فخطاب «الإنتقال من التوسعة إلى الأثر» يفتح الباب أمام إختبار عمليٍّ لمسألة لطالما اختُبرت في صمت، وهي قدرة الدّولة على ضمان عيش كريم لشريحة من المواطنين، غالباً ما تُغفل في معادلة النّمو، وهم فئة المتقاعدين.

وحيث أن الخطاب يعِد بالأثر الإيجابي فقد اعترفت السيدة رئيسة الحكومة بأن المغرب حقق إصلاحاتٍ ومشاريعَ كبرى، لكن ثمار هذا التقدم لم تصل بالوتيرة نفسها إلى جميع الفئات والمجالات، مؤكدة أن الشغل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات والعدالة المجالية تظل في صدارة انتظارات المغاربة.

كما تعهدت السيدة الرئيسة بالإنتقال «من توسيع التغطية الإجتماعية إلى جودة الخدمة، ومن حجم الإستثمار إلى مردوديته، ومن تعدُّد البرامج إلى تكاملها وأثرها».

هذا التحوّل في الصّياغة ليس ترفاً بلاغياً؛ بل إنه اعترافٌ ضمني بأن الحماية الإجتماعية ، رغم توسّعها، لم تُترجم دائماً إلى تحسن ملموس في ظروف العيش.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يشمل هذا «الأثر» الذي تتحدث عنه الحكومة الفئة التي انتهت علاقتها بسوق الشغل، ولم يعد أمامها سوى معاشها لمواجهة الغلاء والمرض والسكن؟

فالمتقاعدون أمام اختبار صادق للدولة الإجتماعية ، فالبرنامج الحكومي يحمل إلتزاماً مهمّاً باتّجاه المتقاعدين، إذ يتمثّل في الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3.000 درهم شهرياً في مختلف الأنظمة، إلى جانب الإشارة إلى رفع معاش الأرملة إلى 100% في إطار الإصلاح المرتقب.
كما يندرج هذا الإلتزام ضمن محور ضمان العيش الكريم وترسيخ الدولة الاجتماعية.

إن هذه الوعود تلامس مطالب قديمة ومشروعة للمتقاعدين الذين طالما رفعوا صوتهم مطالبين بمراجعة المعاشات المتدنية، وتحسين القدرة الشرائية، وضمان التغطية الصحية، ومعالجة التفاوت بين أنظمة التقاعد.

غير أن التّجربة المغربية تُعلّمنا أن الإلتزامات المكتوبة في البرامج الحكومية لا تكفي وحدها؛ فالمتقاعد لا يقيس السياسات بعدد الأوراق ولا بجودة الخطاب، بل بقيمة المعاش الذي يستلمه نهاية كل شهر، وبقدرته على شراء الدواء، ودفع فاتورة الماء والكهرباء، ومواجهة إرتفاع الأسعار.

وتكييفاً للوعد مع الجدولة الزمنية، يظلّ الرّفع التدريجي للحدّ الأدنى للمعاشات إلى 3.000 درهم، يمثل خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكن قيمته الحقيقية ستتحدد بثلاثة عناصر: سرعة التنزيل، وشمولية الاستفادة، وقدرة المبلغ على مواكبة التضخم. فالمبلغ الذي يبدو كافياً اليوم قد يفقد جزءاً من قيمته الشرائية قبل انتهاء الولاية إذا لم تقترن الزيادة بآليات مراجعة دورية للمعاشات.

كما أن الحديث عن «الرفع التدريجي» يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الجدولة الزمنية: متى يبدأ الرفع؟ وما هي الشرائح المستفيدة أولاً؟ وهل سيشمل الإصلاح جميع الأنظمة بالوتيرة نفسها، أم أن بعض الفئات ستبقى في انتظار أطول؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً نقدياً، بل هي جوهر العدالة الاجتماعية التي تتحدث عنها رئيسة الحكومة.

فبين الطموح والقدرة على الإنجاز
لا يمكن إنكار أن إدراج مطالب المتقاعدين ضمن البرنامج الحكومي يمثل تقدماً مقارنة بالتجاهل الذي طالما مُنيت به هذه الفئة في بعض الخطابات السياسية.

غير أن التحدّي يبقى في قدرة الحكومة على تحويل هذا الالتزام إلى إجراءات تشريعية ومالية ملموسة، خاصة في ظل ضغوط مالية متزايدة على صناديق التقاعد، وتنافس متعاظم على الموارد العمومية بين قطاعات الصحة والتعليم والبنيات التحتية.

كما أن نجاح هذا الالتزام يرتبط بقدرة الحكومة على إصلاح أنظمة التقاعد بشكل شامل، لا بالاكتفاء برفع الحد الأدنى.

فالمتقاعد الذي يتقاضى معاشاً يفوق الحد الأدنى لكنه لا يزال يعاني من ضعف القدرة الشرائية، يظل خارج نطاق هذا الالتزام، رغم كونه جزءاً من الفئة التي يتحدث عنها البرنامج.

إن خطاب رئيسة الحكومة يقدّم رؤية طموحة تقوم على قياس السياسات بأثرها في حياة المواطنين، وهو مبدأ يستحق التقدير.

لكن المتقاعدين، بوصفهم فئة هشة اقتصادياً واجتماعياً، يمثلون اختباراً صادقاً لصدق هذا الخطاب. فإذا كانت الحكومة جادة في «الانتقال من التوسعة إلى الأثر»، فإن أول مقياس لهذا الأثر سيكون في قدرة المتقاعد على العيش بكرامة من معاشه، لا في جودة الخطاب الذي يُلقى من منصة البرلمان.

يبقى الحكم النهائي على هذا البرنامج رهيناً بالتنفيذ، وبقدرة الحكومة على تحويل الوعود إلى أرقام تظهر في رواتب المتقاعدين، وإلى خدمات ملموسة تلمس في حياتهم اليومية. فالمواطن، ومتقاعده على رأسهم، لا ينتظرون خطاباً جديداً، بل نتيجة ملموسة تُقاس بالدرهم والواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock