ثقافة وفن

«الأوديسة».. ملحمة العودة وأسئلة الذاكرة والهوية

تمار عامر

ليست كل عودة إلى الوطن نهاية سعيدة؛ فبعض الحروب تنتهي على الخرائط، لكنها تستمر في ذاكرة من عاشوها، تاركةً وراءها ندوباً لا تمحوها المسافات ولا يداويها الزمن بسهولة.

من هذه المسافة بين الحرب والنجاة، تستمد ملحمة «الأوديسة» خلودها. فالحكاية المنسوبة إلى الشاعر الإغريقي هوميروس لم تكن مجرد مغامرة بطل يسعى إلى استعادة بيته، بل ظلت عبر القرون مرآةً لأسئلة الإنسان عن المصير والفقد والثمن الذي يدفعه في سبيل ما يحب.

واليوم، تعود هذه الملحمة إلى الشاشة من خلال فيلم «The Odyssey» للمخرج كريستوفر نولان، لتفتح باب التساؤل حول علاقتنا بالحكايات القديمة، وكيف تنتقل من الذاكرة الأدبية إلى السينما، ومن مخيلة عصر إلى أخرى.

وقد تجاوزت إيرادات الفيلم العالمية 1.7 مليار دولار، ليصبح الأعلى إيراداً في مسيرة نولان، وفقاً لما أعلنته شركة «Universal Pictures» في أكتوبر 2026. وهذا النجاح لا يعكس جاذبية العمل السينمائي وحدها، بل يلفت الانتباه أيضاً إلى قدرة الملاحم القديمة على عبور الزمن والوصول إلى أجيال جديدة، حين تُعاد قراءتها بلغة الصورة.

لكن ما يستوقفني في هذا العمل ليس حجم الإنتاج أو أسماء النجوم أو الإيرادات وحدها، بل سؤال يقف خلف الصورة: من يروي الحكاية، ومن يختار الزاوية التي نراها منها؟

تدور أحداث الملحمة في عالم البحر المتوسط، حيث تداخلت الطرق التجارية والأساطير والثقافات، قبل أن ترسم الحدود الحديثة تصوراتنا عن الشرق والغرب. وهذا البحر ليس مجرد مساحة تفصل ضفافاً عن أخرى، بل ذاكرة مشتركة عبرت فيها الشعوب وتبادلت الحكايات والمعارف والصراعات.

ومن هنا، تبدو قراءة «الأوديسة» من منظور عربي أمراً يستحق الاهتمام، لا لأن الملحمة ملك لثقافة واحدة، بل لأن التراث الإنساني أوسع من الحدود التي نرسمها حوله. غير أن عالمية الحكاية لا تعني تجاهل الطريقة التي تُقدَّم بها، أو التعامل مع الرؤية السينمائية الغربية بوصفها التفسير الوحيد الممكن للتاريخ والأسطورة.

فالسينما لا تنقل الماضي كما وقع فحسب، بل تعيد تشكيله وفق اختيارات المخرج، من ملامح الشخصيات إلى طبيعة المكان، ومن صورة البطولة إلى الأسئلة التي تُترك خارج المشهد. وهنا تبرز أهمية أن يكون للثقافات الأخرى صوتها أيضاً، وأن تعيد قراءة موروثها وتروي حكاياتها، بدلاً من الاكتفاء بمشاهدة العالم كما يقدمه الآخرون.

وفي قلب «الأوديسة» يقف أوديسيوس، الرجل الذي يجد نفسه في مواجهة الزمن والفقد والتحولات التي لا يمكن إيقافها. ومن خلال حكايته، يبرز سؤال يتجاوز الأسطورة: هل يعود الإنسان من الحرب كما كان، أم أن ما يعيشه يغيّر نظرته إلى نفسه وإلى العالم؟

هذا السؤال قريب من واقع شعوب كثيرة عرفت الحروب، ومنها شعوب عربية دفعت أثماناً باهظة من بيوتها وذكرياتها وأمنها. فكم من إنسان عاد إلى مدينته فوجد المكان الذي يعرفه، لكنه لم يجد الحياة التي تركها فيه؟ وكم من بيت بقي قائماً، بينما غاب عنه من كانوا يمنحونه معناه؟

وصُوّرت مشاهد من فيلم «The Odyssey» في مواقع مغربية، من بينها مدينة الداخلة في الصحراء الغربية، التي تتميز بطبيعتها الصحراوية والساحلية، بما توفره من مشاهد بصرية لافتة، تجعل المكان جزءاً من التجربة السينمائية.

لعل قوة الملاحم القديمة تكمن في أنها لا تمنحنا إجابات جاهزة بقدر ما تضعنا أمام أنفسنا. فالأوديسة ليست حكاية عن الوصول إلى الوطن فحسب، بل عن الإنسان الذي يختبره الطريق، وتكشفه التجارب؛ وربما لا تكمن البطولة في العودة، بل في معرفة ما تبقّى منا بعد كل ما فقدناه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock