زمن الريشة و ” الفلقة “…….

بقلم نورالدين بن شقرون

نحن في فاتح أكتوبر من سنة 1965, كنت وقتها في السابعة من عمري. اليوم سألتحق بالمدرسة الابتدائية “عرصة المعاش” ( السعديين لاحقا) لابدأ مشواري الدراسي.
** اصطحبني ابي والتحقنا بصديق للعائلة وهو أستاذ بنفس المدرسة، اخذنا على متن سيارته ” فولسفاكن” الألمانية (la coccinelle ) وقصدنا المؤسسة التعليمية.
• ** أثناء الطريق، تلقيت عدة نصائح في الانضباط والمثابرة والابتعاد عن الشغب، نصائح يبدأها الاستاذ ليكملها ابي. لكني كنت شاردا شيئا ما ولم اسمع كل ما قيل لأني كنت مشغولا اكثر باكتشاف اجهزة السيارة ومتتبعا حركات سائقها الذي كانت تنبعت منه رائحة عطر لااشمها إلا في الاعراس، وبقيت منبهرا بمظهره الأنيق، بذلة زرقاء من ثوب يلمع وربطة عنق حمراء تسر الناظرين.
• واتذكر آخر كلمة سمعتها من أبي ( رحمه الله) قبل أن ننزل من السيارة، إذا اجتهدت ستصبح يوما مثل الأستاذ. بقيت هذه الكلمات محفورة في ذاكرتي الصغيرة وبقي الاستاذ الأنيق قدوتي لمدة طويلة، اتوق لأن أصبح يوما مثله.
• ** استقبلنا المدير وكان رجلا انيقا كذلك، طويل القامة، في الخمسين من عمره، يتكلم “عربية دارجة” غريبة شيئا ما، لم ائلف سماعها، عرفت فيما بعد انه” يهودي مغربي” انيطت به مسؤولية تسيير هذه المؤسسة مؤقتا زيادة على منصبه الرئيسي كمدير لمدرسة أطفال ” اليهود المغاربة” والتي كانت في الجانب الآخر لايفصلنا عنها سوى سور قليل الارتفاع.
** بعد هذا الاستقبال، دخل علينا رجل متوسط القامة، يلبس جلبابا تخاله عند النظرة الأولى فقيها في “المسيد” وفي يده مسطرة طويلة عليها قليل من غبار الطباشير، فهمت انه جاء على التو من حصة تدريسية. نظر الي ابي نظرة الآمر ونهضت من مكاني وقبلت يد الرجل الذي أمسك بي وقادني إلى قسم فيه مجموعة من التلاميذ يرددون سورة ” الفاتحة” بصوت عالي، اخذت مكاني في القسم وبدأت اعيد قراءة السورة مع المجموعة. بعد أقل من ربع ساعة اطل علينا المدير من النافذة وبقي يصغي لنا ونحن نردد السورة بعد الاستاذ، وبحركة تشجيعية حتنا على الرفع من أصواتنا اكثر وغادر المكان مبتسما.
هذه الصورة لهذا المدير بقيت عالقة بذهني، خاصة وأنه كان يستدعي المتفوقين ليعطيهم بعض الشكولات والحلوى، وكنا نتسابق لذلك بالمتابرة والحفظ.
مرت السنوات، وبعد التحولات السلبية التي عرفها المجتمع المغربي من تراجع في منظومة القيم والتسامح والعيش المشترك، بقيت دائما اسوق هذا المثال الحي لمغرب كان فيه الإنسان يقوم بواجبه المهني بحرفية عالية دون أن يتأثر بنزعته الدينية أوالعقائدية فيصبح مناصرا لطائفة ذون أخرى على حساب جودة العمل.
كنت دائما اردد واحاول ان افهم……….كيف ليهودي الديانة أن يراقب أداء استاذ “فقيه ” في حصة حفظ القرآن الكريم…..؟؟؟؟ ولم أجد جوابا مقنعا سوى أن الرجل كان يعتبر نفسه مواطنا اولا وقبل كل شيء ولا يحشر عنصر الدين عند أداء واجبه المهني. ……مدير يقوم بمهامه على احسن وجه وأساتذة كلهم مسلمون يحترمونه لأنه مثال للموظف المسؤول….!!!!!!
** هاأنذا تلميذ في قسم التحضيري، وزرتي الزرقاء تلازمني ومحفظتي فيها ثلات دفاتر من فئة 12 ورقة ومقلمة خشبية فقدت لونها الاصلي بانتشار بقع المداد فوقها. كانت الريشة هي قلمنا والمحبرة هي خزان المداد الذي يجب أن لا ينبض. وكنا ملزمين على إبقاء الدفاتر نقية، بل وتخضع للمراقبة المستمرة من طرف الاستاذ. لذا تجد بقع المداد فوق ملابسنا وادواتنا المدرسية إلا الدفتر فهو ” مقدس ” ويجب أن يبقى بعيدا عن الوسخ وإلا عوقبنا بدءأ بمد اليدين والضرب عليهما الى “الفلقة” وهي اختراع مغربي فعال تناقلته الأجيال لتربية الاولاد، لكنه انتهى به الأمر في غياهب السجون السرية واستعمل بطرق وحشية ضد معارضين في سنوات الرصاص.
** كنا نقرأ حصة واحدة فقط، وكنت مع مجموعة الحصة الصباحية التي تبدأ من السابعة إلى العاشرة.
وللوصول إلى المدرسة في الوقت، استيقظ في السادسة صباحا وانطلق في الظلام ( خاصة في فصل الشتاء) واجلس القرفصاء إزاء بائع الاسفنج ” السفاج” انتظره حتى يفتح محله ويبدأ في العمل ليناولني أولى مقلياته.كنت اقتني اثنثين من هذا الاسفنج بريال واحد، ومع مرور الوقت أصبح يعتبرني فأل خير عليه ( قدام الربح) ليعفيني من الأداء.
انطلق صوب المدرسة حاملا الاسفنج وهو فطوري الاول في انتظار الفطور الرسمي بالمنزل بعد خروجي من المدرسة في العاشرة. اسارع الخطى لأصل في الوقت، كانت المسافة بعيدة ويلزمني اكثر من أربعين دقيقة للوصول.
طيلة هذه السنة الدراسية الأولى، لم اتذكر أن احدا اعترض طريقي أو حاول سرقة محفظتي، كنت أمر عبر الأحياء وانا مرتاح البال وكأن الشارع جزءا من فضاء منزلنا.
** كل هذا الجهد والالتزام بالوقت والخوف من الأستاذ أصبح مألوفا لدي بل أصبحت أحب هذا الجو المدرسي.
الا انه في بعض الأحيان كنت اركض خوفا عندما ألتقي مجموعات من القوات المساعدة اوعسكريين كانوا يرابضون في مدخل زنقة عرصة المعاش على مقربة من شارع للا رقية.
بقيت صورة هؤلاء تزعج مخيلتي وانا كطفل، ومرت السنوات لأفهم أن سنة 1965 كانت مليئة بالاضرابات والتظاهرات احتجاجا على قرارات اعتبرت آنذاك نخبوية في التعليم العمومي، مما أسفر على مواجهات 23 مارس التي بقيت محفورة في الذاكرة المغربية.
ومع بداية السنة الدراسية 1965/66 كان لابد من اخد الاحتياطات اللازمة لتتويق أي حركة احتجاجية أخرى.
** بعد الحصة الدراسية انطلق من المدرسة كالسهم، أركض مبتهحا وكأني حققت معجزة ولاأقف إلا عند وصولي “كراج” الحافلات الرابطة بين المدن والموجود أمام ” بنك المغرب” هناك انتظر ” خال الوالد” ( رحمه الله) لأسلم عليه وبعد جوابي على أحوال الدراسة يكافئني ب 10 ريال كانت تكفيني لعشرة أيام أو أكثر.
مراكش بتاريخ



