مقالات واراء

جنود الظل… حين يتحول عرق الجبين إلى أرباح والكرامة إلى سلعة…

مكتب أكادير / هشام الزيات

 

في زوايا المستشفيات، وعلى أبواب المؤسسات البنكية، وفي دهاليز الإدارات العمومية والخاصة، يتحركون بصمت… لا لافتات تميزهم، ولا أصوات تطالب بحقوقهم، لكن حضورهم ثابت كنبض المرافق الحيوية: حراس الأمن الخاص وعاملات النظافة، أول الواصلين وآخر المغادرين، يعملون في صمت، يتألمون في صمت، وينسون في صمت .

 

وخلف ذلك المشهد المألوف، تختبئ حكاية استغلال مرير، ساعات عمل تمتد إلى 12 ساعة بل أكثر في بعض الأحيان، دون تعويضات، بأجور لا تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم، وكأن ذلك لا يكفي، فالكثير منهم لا يصرح به لدى صندوق الضمان الاجتماعي، فيحرم من الحق في التغطية الصحية والتقاعد، شركات الوساطة، التي تقف وراء هذا الواقع، اختارت الربح السريع على حساب كرامة من يشغلون الأرض تحت أقدامهم .

 

اللافت أن هذه المنظومة المتخلى عنها تمر تحت أنظار جميع المسؤولين، فإذا ما تم ضبط حارس أو عاملة نظافة تقبل ما يسمونه ب “رشوة” وهي مجرد حسنة قد لا تتجاوز ثمن التنقل أو وجبة غداء تنهال عليه عدة عقوبات، في حين تواصل الشركات الوسيطة حصد الأرباح دون حسيب أو رقيب، من يرفض “الواقع” يسرح دون إنذار، ومن يقبله يجرّم وكأنه الجلاد، لا الضحية .

 

أما العاملات، فقصتهن أكثر وجعا في ممرات المستشفيات، وفي قلب الإدارات المكتظة، يبذلن جهدا جسديا مرهقا بأجور زهيدة لا تفي بأبسط حاجيات الأسرة، ومع ذلك، لا أحد يرفع صوته مطالبا بحقوقهن، وكأن هذه الفئة، التي تساهم في نظافة مؤسسات الدولة، لا تستحق حتى حق النقاش .

 

وهنا، لا بد من طرح السؤال المؤرق: من يحمي هؤلاء من جشع شركات الوساطة؟ ومن يعيد إليهم حقوقهم الضائعة؟

 

لا أحد يجادل في أهمية هذه الفئات داخل المنظومة الإجتماعية والإقتصادية، فبدونهم، تتعطل المرافق وتتوقف الحياة اليومية داخل المؤسسات، ومع ذلك يعانون من تهميش ممنهج واستغلال متواصل، في ظل غياب رقابة فعلية وإرادة سياسية تنصفهم .

 

جنود الظل هؤلاء لا يطلبون امتيازات، ولا يطمحون في مكافآت، بل فقط: أجر عادل، وقت عمل إنساني، وتأمين اجتماعي يحميهم من غدر الأيام، وهي مطالب لا ينبغي أن تعد ترفا، بل هي الحد الأدنى من الكرامة التي يستحقها كل من يكد بعرق جبينه .

 

وإن ما يحتاجه اليوم ليس فقط نصوصا قانونية تنظم القطاع، بل إرادة حقيقية لمحاسبة شركات الوساطة، وتفعيل آليات رقابة صارمة، حتى لا يبقى العمل مرادفا للذل، بل مدخلا للعيش الكريم، فإلى متى سيظل هؤلاء الجنود يدفعون الثمن وحدهم، بينما تتضخم أرباح من لم يحملوا يوما مكنسة أو يرتدوا بذلة حراسة؟

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock