العالم المغربي الذي سبق عصره… قصة رشيد الإدريسي الوطاطي الذي اكتشف يورانيوم الفوسفات ورحل في ظروف غامضة.

هيئة التحرير
في تاريخ المغرب الحديث أسماء لامعة في ميادين الفكر والسياسة والقانون، غير أن بعض العقول العلمية الكبيرة ظلت بعيدة عن الأضواء رغم ما قدمته من إسهامات كان من الممكن أن تغيّر مسار التنمية العلمية والطاقية في البلاد. ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم العالم المغربي رشيد الإدريسي الوطاطي، الذي يعد أحد أبرز الباحثين المغاربة في مجال الكيمياء النووية خلال ستينيات القرن الماضي.
قصة هذا العالم ليست مجرد مسار علمي متميز، بل حكاية عقل مغربي سابق لزمانه، جمع بين التفوق العلمي والطموح الوطني، قبل أن تنتهي حياته في سن مبكرة وفي ظروف ما تزال تثير الكثير من التساؤلات.
من أوطاط الحاج إلى مختبرات البحث النووي
ولد رشيد الإدريسي سنة 1939 بمدينة أوطاط الحاج بإقليم بولمان، في منطقة جبلية هادئة لم تكن تتوفر آنذاك على إمكانيات تعليمية كبيرة. غير أن شغفه بالعلم وقدراته الاستثنائية دفعاه إلى متابعة دراسته بتفوق، لينتقل لاحقاً إلى الرباط ثم إلى فرنسا حيث تخصص في الكيمياء النووية.
في فرنسا تابع دراساته العليا في أرقى المعاهد العلمية، ليحصل سنة 1970 على الدكتوراه في الكيمياء النووية من جامعة باريس، كما حصل على تكوين متقدم في الهندسة النووية داخل معهد الأبحاث النووية في “ساكلاي”، وهو أحد أهم المراكز العلمية الأوروبية في مجال الطاقة النووية.
اكتشاف استراتيجي… اليورانيوم في الفوسفات المغربي
خلال أبحاثه العلمية، ركز الإدريسي الوطاطي على موضوع شديد الحساسية في عالم الطاقة، وهو وجود عنصر اليورانيوم داخل الفوسفات المغربي.
وقد خلصت أبحاثه إلى أن الفوسفات المغربي لا يحتوي فقط على المادة الأساسية لصناعة الأسمدة، بل يتضمن أيضاً كميات مهمة من اليورانيوم يمكن استخراجه صناعياً أثناء معالجة الفوسفات.
هذا الاكتشاف كان يحمل أبعاداً استراتيجية كبيرة، إذ إن المغرب يملك أكبر احتياطي للفوسفات في العالم، ما يعني – نظرياً – إمكانية إنتاج كميات معتبرة من اليورانيوم كمادة ثانوية، وهو ما كان سيمنح المملكة موقعاً مهماً في مجال الطاقة النووية السلمية.
عالم رفض الإغراءات
تذكر بعض الروايات المرتبطة بسيرته أن الإدريسي الوطاطي تلقى عروضاً مغرية من مؤسسات علمية وصناعية أجنبية لمواصلة أبحاثه خارج المغرب، غير أنه كان يؤمن بأن علمه يجب أن يوظف لخدمة بلده.
ولم يقتصر اهتمامه على المختبرات فقط، بل كان أيضاً قريباً من قضايا التنمية المحلية، حيث ساهم في مبادرات اجتماعية وتنموية بمسقط رأسه، إيماناً منه بأن العلم يجب أن يكون في خدمة المجتمع.
نهاية مأساوية مبكرة
في 18 أكتوبر سنة 1971، توفي رشيد الإدريسي الوطاطي في حادثة سير قرب جسر أبي رقراق بين الرباط وسلا، بعدما صدمته شاحنة أثناء عبوره الطريق.
غير أن وفاته في سن لم يتجاوز 32 سنة أثارت العديد من التساؤلات، خاصة في ظل حساسية المجال العلمي الذي كان يشتغل عليه. وقد ظلت بعض الروايات غير المؤكدة تلمّح إلى احتمال ارتباط وفاته بأبحاثه حول اليورانيوم، غير أن هذه الفرضيات لم تثبت رسمياً.
عقل علمي مغربي يستحق الاستحضار
بعد مرور عقود على رحيله، يبقى اسم رشيد الإدريسي الوطاطي رمزاً للعقول المغربية التي كان يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في تطوير البحث العلمي والطاقة في المغرب.
إن استحضار مسار هذا العالم ليس فقط تكريماً لذكراه، بل أيضاً تذكيراً بأن المغرب يملك طاقات علمية قادرة على الإبداع والابتكار متى توفرت لها الظروف المناسبة.
ولعل قصة الإدريسي الوطاطي تظل رسالة واضحة مفادها أن الاستثمار في العلم والبحث العلمي ليس ترفاً، بل هو الطريق الحقيقي لبناء مستقبل الأمم



