مقالات واراء

نداءات الأمل المكسور: حين يتحول الهروب الجماعي إلى صرخة ضد الغلاء والعدالة المفقودة

هند جوهري

​استفاقت المشاهد اليومية في العديد من الطرقات والمحطات الطرقية الرئيسية، مثل محطة “أولاد زيان” بالدار البيضاء ومحطة “إنزكان”، على واقع مؤلم يرسم صوراً لشباب وعائلات بأكملها تسعى للفرار نحو المجهول. لم يعد الأمر يقتصر على مغامرات فردية لخريجين أو باحثين عن فرص عمل، بل تحول إلى مشاهد صادمة تعكس عمق الأزمة النفسية والاجتماعية، حيث تظهر أمهات يرتدين طوق النجاة ويحملن أطفالهن لمواجهة أمواج البحر المتلاطمة. إن هذا الإصرار الجماعي على مخاطرة الخيار بين الموت غرقاً أو الاعتقال بدلاً من الاستقرار في الوطن يعكس أزمة ثقة عميقة وجرحاً يزداد اتساعاً؛ فالدافع الحقيقي لم يعد مجرد البحث عن القوت أو صراع مع الجوع فقط، بل هو هروب ينبع من الشعور بالمظلومية وغياب العدالة وفقدان التكافؤ الاجتماعي.
​تتجلى الفوارق الصارخة في المشهد الاقتصادي والاجتماعي بشكل يثير الكثير من الحصرة؛ إذ يتناقض واقع كبار المسؤولين والبرلمانيين الذين يتقاضون أجوراً وامتيازات تتجاوز 70,000 درهم شهرياً مقتطعة من الميزانية العامة، بالتوازي مع امتلاك العديد منهم لمشاريع واستثمارات خاصة، مع الواقع المعيشي للفئات الهشة والفقيرة. وفي المقابل، تجد أرملة بسيطة تُركت لمواجهة أعباء الحياة مع أطفالها تُحرم فجأة من دعم مشروط لا يتجاوز 500 درهم لمجرد إجراء تعبئة رصيد هاتف بـ 50 درهماً، وهي خطوة بسيطة أدت تلقائياً إلى ارتفاع مؤشرها الاجتماعي في منظومة “السجل الاجتماعي الموحد”. هذا التناقض الصارخ يطرح تساؤلات ملحة حول معايير الدعم والعدالة التوزيعية التي يفترض أن تحمي الفئات الأكثر احتياجاً بدلاً من معاقبتها على تفاصيل بسيطة.
​يمتد هذا الخلل ليصل إلى قطاع الصحة ويدخل في متاهات ما يُعرف بـ “مافيا الأدوية” والخدمات الطبية العمومية. فبينما يُباع بعض أدوية علاج السرطان والأمراض المزمنة في دول أوروبية بأسعار معقولة تقارب 4,000 درهم، يقفز سعر الدواء ذاته في الأسواق المحلية إلى مستويات خيالية تتجاوز 40,000 درهم (أربعة ملايين سنتيم). هذا الفرق الشاسع يضع علامات استفهام حادة حول الجهات المستفيدة من إرهاق كاهل المواطن المريض، الذي يجد نفسه بين نارين: نار أسعار الأدوية المرتفعة، ونار المستشفيات العمومية والمراكز الصحية التي تعاني من الاكتظاظ ونقص الموارد والمعدات، مما يحول الاستشفاء إلى رحلة شاقة تعمق شعور العائلات بالتهميش والخذلان.
​تستمر التحديات الاجتماعية والتعليمية في غياب مبدأ تكافؤ الفرص في مباريات الاستحقاق والوظائف العمومية؛ حيث يواجه الشباب حاملو الشهادات والكفاءات العلمية عوائق أمام ظاهرة المحسوبية والوساطة، لتؤول الفرص في كثير من الأحيان إلى “أبناء النفوذ” والجاه على حساب الاستحقاق الفعلي. يرافق هذا الإحباط المهني ثقل ضريبي يقع الجزء الأكبر منه على عاتق الطبقات المتوسطة والصغيرة مع نهاية كل سنة مالية، في مقابل تيسيرات أو ثغرات يستفيد منها كبار أصحاب رؤوس الأموال للتهرب الضريبي. إضافة إلى ذلك، فإن تهميش الأصوات الإصلاحية والعلماء ودعاة القيم والتربية الروحية ساهم في إضعاف الوازع الأخلاقي والروحي لدى الأجيال الناشئة، مما جعل سيادة ثقافة “الاغتناء السريع” وفكرة الهروب تغلب على قيم الصبر، والانتماء، والاستقرار.
​تتسبب هذه الموجات المتزايدة من الهجرة في تداعيات وخيمة ومستمرة؛ أبرزها نزيف العقول واليد العاملة المؤهلة، وتفكك النسيج الأسري، واستنزاف الموارد البشرية التي يتوقف عليها مستقبل التنمية والاقتصاد المحلي. وفي ظل أحدث المستجدات الميدانية والتحركات الصادمة في المحطات الشاطئية والمنافذ الحدودية، تتضاعف الضغوط على السلطات الأمنية والتنفيذية للحد من محاولات التسلل والاقتحام الجماعي للحدود البرية والبحرية. إن الواقع الراهن يضع الحكومات والمسؤولين أمام مسؤولية تاريخية تتطلب تجاوز الحلول الأمنية والترقيعية، والتوجه فوراً نحو إصلاحات هيكلية شجاعة تضمن المحاسبة الصارمة للشناقة والمحتكرين، وتوفر الخدمات الأساسية من صحة وتعليم بكرامة، وتستعيد ثقة الشباب في مستقبل أمن داخل وطنهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock