مقالات واراء

زراعة الكذب

إدريس رزقي

كلما تم تغييب الحقيقة والسكوت عن إظهارها ازدادت التأويلات والظنون ، وازداد الكذب إشعاعاً وانتشاراً لأن ثمرة الكذب تكبر في الفراغ والظل ولا تكبر في التعمير والضوء.

ومادامت أرض الحقيقة وعرة الحرث وتحتاج إلى فلاحٍ صبور، وبذرةٍ نظيفة، وماءٍ عذب، وشهورٍ من الانتظار حتى تثمر، فإن زراعة الكذب لا تحتاج إلى سقي ولا نكش ولا عناية. فمن السهل أن يستثمر فيها كل من هبّ ودب، ومنعدم الضمير.

فنبتة الكذب لا تحتاج سماداً… ولا حرثاً… ولا سياجاً… يكفي أن ترميها على أي أرض فتكبر في يومين. وماتحتاجه فقط هو أذن صاغية لتتكاثر بسرعة، وتنتشر قبل أن يلحقها أحد بالتكذيب.

ولهذا، كل من أراد أن يشتهر زرع إشاعة.
ومن أراد أن يضرب خصمه روّج بهتاناً.
ومن أراد أن يتهرب من الفشل اخترع قصة.
ومن أراد أن يبيع ألبس البضاعة الفاسدة ورقة “النزاهة”.

والمشكل ليس في من يزرع فقط، المشكل في من يسقي. فنحن نسقي الكذب بالمشاركة، وبالتعليق، وبـ “سمعتي واش قالو”، وبـ “راها ترند”. فنصنع غابة كاملة من الوهم في ساعات، ثم نلوم الفلاح إذا جاع الناس.

وما ينقصنا هنا نحن هو “المنجل” لنقطع الكذب قبل أن يكبر… والشجاعة لنقول “هاتوا برهانكم” والعقل الناقد قبل أن نضغط “مشاركة”. حتى لا نترك الصدق مسكيناً ينتظر دوره في الطابور، لأنه يتطلب دليلاً ووقتاً وتحققاً، واعتذاراً إذا أخطأ.

فالأرض التي لا تُزرع بالحق حتماً سيزرعها الباطل، لكن حصاده دائماً مر فاختر بذرك، فما تزرعه اليوم ستحصده غداً… إما كرامة، وإما ندما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock