مقالات واراء

إسبانيا والقصّار المغاربة.. ملحمة إنسانية وتجربة حقوقية تتحدى أزمات الهجرة

هند جوهري

 

​تؤكد المملكة الإسبانية من جديد قدرتها الاستثنائية على ترسيخ قيم العدالة وتغليب المبادئ الإنسانية حتى في أوقات التدفقات الاستثنائية للهجرة، حيث تجلى ذلك بوضوح في التعاطي الحضاري الأخير مع موجات وصول القصّار غير المرفوقين القادمين من المغرب نحو الثغور والمنافذ الإسبانية.
​ففي مقابل الضغط الميداني الكبير الذي شهدته مراكز الإيواء والترديد المتزايد لخطابات الترحيل الفوري، اختارت الحكومة الإسبانية الاحتكام لسيادة القانون والالتزامات الأخلاقية. وتجلى هـذا الموقف النبيل في تفعيل خطة التوزيع التضامني للأطفال والشباب الصغار بين مختلف الأقاليم المستقلة، لنقل ما بين 3,000 إلى 4,000 قاصر تدريجياً من نقط التماس الأولى التي تخطت طاقتها الاستيعابية بشكل قياسي—حيث تتكفل جزر الكناري بحدها بأكثر من 5,500 قاصر، وتستوعب سبتة ومليلية مئات الأطفال فوق قدرتها الاستيعابية بنسب تتجاوز 400%—من أصل إجمالي يتراوح بين 15,000 و18,000 قاصر تحت الرعاية المؤسساتية في إسبانيا حالياً.


​ولم يكن لهـذا التعامل الإنساني الفريد أن يتحقق لولا قوة المنظومة القانونية الإسبانية، التي تحظر ترحيل أي قاصر بشكل قسري أو جماعي، وتلزم كافة سلطات الدولة بالبحث عن المصلحة الفضلى للطفل أولاً وأخيراً. هـذه القوانين المتقدمة صُممت لتكون حصناً منيعاً يحمي الفئات الهشة، بغض النظر عن جنسيتها أو كيفية وصولها إلى الأراضي الإسبانية.
​ويرجع الفضل الكبير في صيانة هـذه الترسانة التشريعية وتفعيلها الميداني إلى الدور التاريخي الذي تلعبه منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني في إسبانيا. هـذه الهيئات والمؤسسات الحرة تشكل حائط صد ضد أي خرق حقوقي، وتواصل العمل في الميدان بجهد مضاعف لضمان التكفل النفسي، والصحي، والتعليمي بهؤلاء الأطفال، مع الترافع المستمر أمام القضاء لضمان عدم اندفاع القرارات السياسية على حساب الحقوق الأساسية للإنسان.
​إن التعاطي الإسباني الأخير مع ملف الهجرة البحرية والبرية للقصّار يكتب صفحة جديدة من صفحات نضج دولة الحق والقانون؛ صفحة تثبت للعالم أن احترام حقوق الطفل ليس مجرد تنظير في المحافل الدولية، بل هو سلوك سياسي ومؤسساتي ثابت ينحاز للإنسان في أحلك الظروف وأصعبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock