مقالات واراء

المغرب يقرأ العالم بألسن متعددة: انفتاح لغوي كخيار استراتيجي

 

فؤاد الياجيزي : مكتب اسفي

في شوارع ومدارس ومقاهي ومطاعم مدن مغربية، تبدو صورة انفتاح المجتمع المغربي واضحة: الناس يتحدثون العربية والأمازيغية والحسانيةوالريفية،والعبربية في فضاءات أخرى أصواتًا بلغات عدة؛ فالعربية الفصحى حاضرة، والفرنسية والإسبانية والإنجليزية تتنفس في الفضاءات التعليمية والإدارية، إلى جانب حضور ملموس للصينية والألمانية والروسية وغيرها. وفي بعض المواقف التواصلية، تجد مزيجًا من هذه اللغات في جملة واحدة، حسب السياق والحاجة.

هذا التعدد اللغوي لا يعكس فوضى ثقافية، بل يُعبّر عن ميزة نفعية تتجلّى في قدرة مغربية على التواصل والانفتاح مع العالم بصورة سلسة وعملية. ولأن المقارنة تساعد على توضيح الخصوصية، فإن النظر إلى سلوكيات لغوية لدى بعض الجنسيات الأخرى، كالمجتمع التركي أو الإسباني نموذجًا، يعطينا منظورًا أوسع لعلاقة اللغة بالهوية والاقتصاد؛ فلماذا ينفتح المغاربة على لغات العالم بهذا الإيقاع الإيجابي المتفتّح؟
أولًا، للإرث التاريخي والتواصل الجغرافي دور. فالمغرب لم يكن جزيرة لغوية منغلقة؛ فعبر قرون تداخلت فيه تأثيرات عربية، وأمازيغية، وأندلسية، وعبرية، وحسانية، وفرنسية، وإسبانية، وجعلت تعدد اللغات جزءًا من تواصل وانفتاح النسيج المجتمعي المغربي على غيره، وهو ليس وضعًا استثنائيًا يحتاج ترويضًا.

فانفتاح المغرب على عمقه الإفريقي، وقربه من أوروبا مثلاً، أنتج تفاعلاً ثقافيًا واقتصاديًا وسياحيًا، كما أن الهجرة جعلت من تعلم لغات بلد المهجر ضرورة عملية.
ثانيًا، احتياجات سوق العمل والاقتصاد تتطلب مهارات لغوية متعددة: فرنسية، وإنجليزية، وألمانية، وروسية، وصينية، وغيرها من اللغات، ضرورة مهمة لتفاعل القطاعات التكنولوجية والاقتصادية.

ورغم كون اللغة الفرنسية والإنجليزية كانت وما تزال محورية في التعليم، فإن الإسبانية ذات قيمة في البنيات الحدودية والسياحية. ويلاحظ من تقارير سوق الشغل وبرامج التكوين ازديادًا في طلب دورات تعلم اللغة الإنجليزية وإدراجها في برامج التكوين المهني. ومهما يكن، فاللغة هنا أصبحت سلعة قابلة للتسويق تؤدي إلى فرص عمل وتحسين الدخل.

ثالثًا، التعليم والتجهيز الرقمي عاملا توسع طلب تعلم اللغات في المدارس والجامعات وفي القطاع الخاص، إلى جانب توفر منصات تعليمية إلكترونية ومحتوى أجنبي متاح بسهولة، يسهّل على الشباب اكتساب لغات عدة، وهو ما حدا بالإقبال على الدروس الخصوصية وعلى دورات التكوين في المراكز اللغوية التي صارت جزءًا من منظومة التعليم التي تكمّل التعليم العمومي.
رابعًا، الهجرة العابرة للحدود، مع وجود جاليات مغربية نشطة في كل القارات، قد خلقت دوافع عملية لتعلّم لغات البلدان المضيفة في مختلف قارات العالم، دون أن ننسى بأن طفرة الانخراط الرقمي في منصات التواصل الاجتماعي قد جعلت من العالم قرية صغيرة، مما دفع كثيرين لتعلّم لغات تمكنهم من الوصول إلى جمهور أوسع والتواصل بمختلف اللغات.
وعليه، فإن مقاربة فهم مرنة للهوية، تفصل بين اللغة كشكل من أشكال التواصل مع المحافظة على الهوية الثقافية. فتعلم لغة أجنبية لا يُقرأ تلقائيًا على أنه تخلٍّ عن الأصل الثقافي والهوية؛ بل هو مكسب يغني الثقافة فضلاً عن كونه سبيلًا لربح مهني.

في المقابل، لا ينبغي اختزال مجتمعات أخرى في صورة «انغلاق» مطلق؛ فالحواجز أمام تعلم العربية أو اللهجة المغربية لدى شرائح من المجتمعات التركية والإسبانية ترجع غالبًا إلى غياب حوافز اقتصادية، وارتباطات سياسية وثقافية مختلفة، واختلافات تعليمية. لكن حينما توجد مصلحة مهنية أو تواصل دائم، يظهر الانفتاح اللغوي بسرعة؛ وحيث تغيب المصالح، يبقى الاهتمام ضعيفًا، مهما كان القرب الجغرافي.

إن بناء برامج تبادل ثقافي ولغوي مع مؤسسات تركية مثلا، يمكن أن يشيّع معرفة أكبر باللهجة المغربية والعربية، ويكسر الفرضيات عن «انغلاق» مجتمعات بأكملها. وربط تعليم اللغات بفرص اقتصادية ملموسة—منح تدريب لغوي مرتبطًا بالتوظيف في قطاعات السياحة، التصدير، والخدمات الرقمية—سيولّد حافزًا عمليًا للتعلم لدى الأجانب والمغاربة على حد سواء.
المغاربة اليوم يقرأون العالم بألسنة متعددة، ويحوّلون اللغات إلى أدوات تواصل وحياة عملية. ربما يكمن سر الاستمرار في القدرة على تحويل الانفتاح إلى سياسة واعية تعزز الهوية ولا تخاف من التنوع. هل نريد لهذا الانفتاح أن يبقى أداة اقتصادية فقط، أم أن نجعله جسرًا دائمًا ثقافيًا ومعرفيًا؟ اختيارنا هنا يحدد مكانة المغرب في عالم الغد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock