مقالات واراء

الشابندر… حين يروي الشاي حكاية بغداد 

✍️✍️تمار عامر / العراق 

 

في نهاية شارع المتنبي، وعلى مقربة من مبنى القشلة وسوق السراي، يقف مقهى الشابندر شامخًا منذ أكثر من قرن، كأنه حارس لذاكرة بغداد الثقافية. فالمكان الذي بدأ مطبعةً عام 1909، قبل أن يتحول إلى مقهى عام 1917، لم يكن مجرد مبنى أثري، بل محطةً صنعت تاريخًا من الكلمة والحوار، وظل شاهدًا على تحولات العراق السياسية والثقافية.

 

داخل أروقته، تمتزج رائحة الشاي العراقي الأصيل بصور الأدباء والشعراء والسياسيين التي تغطي الجدران، فيشعر الزائر أنه لا يدخل مقهى، بل متحفًا حيًا يحفظ ذاكرة مدينة بأكملها. ولم يكن اختيار الطابوق البغدادي الأصفر والجص في بنائه مجرد تفصيل معماري، بل كان جزءًا من هوية بغداد القديمة، يمنح المكان دفئه وهيبته ورائحته التي لا تزال تسكن ذاكرة رواده.

ورث المقهى رسالته الثقافية من مطبعة الشابندر التي كانت تنشر الكتب والمجلات، فتحول من نشر المعرفة على الورق إلى صناعة الفكر بالحوار. لذلك قصدته أجيال من الأدباء والمثقفين والفنانين والسياسيين، حتى أصبح أحد أهم الصالونات الثقافية في العراق.

 

واشتهر الشابندر بقوانينه الخاصة؛ فلا طاولات للنرد أو الدومينو، لأن صاحبه الراحل الحاج محمد الخشالي أراد للمكان أن يبقى مساحة للفكر والكلمة، لا للضجيج واللهو. وبين طاولاته دارت مناقشات أدبية وفكرية لا تزال تُروى حتى اليوم، ومن أشهرها السجالات بين الشاعرين معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي، التي كانت تبدأ بنقاش حاد وتنتهي بكأس شاي وضحكة صادقة.

ولم يكن المقهى بعيدًا عن السياسة، فموقعه القريب من المؤسسات الحكومية جعله شاهدًا على اجتماعات ونقاشات سياسية كثيرة خلال عقود مضت، حتى أصبح جزءًا من ذاكرة بغداد العامة.

 

لكن أكثر صفحات الشابندر إيلامًا كانت عام 2007، حين ضربه الإرهاب بتفجير دموي أودى بحياة أربعة من أبناء صاحبه وأحد أحفاده. ورغم هذا الجرح الكبير، رفض الحاج محمد الخشالي أن يستسلم، وأعاد فتح أبواب المقهى، بل أعلن عفوه عن القاتل، مؤمنًا بأن الدم لا يعيد الأحبة، وأن التسامح أقوى من الكراهية. ومن بين الأنقاض، جمع الطابوق البغدادي القديم وأعاد بناء المكان بالحجارة نفسها، لتبقى روحه كما كانت.

ولعل القارئ المغربي سيجد في الشابندر شيئًا مألوفًا؛ فكما تحتفظ طنجة بمقاهيها الثقافية مثل مقهى الحافة، وتحافظ فاس على فضاءاتها التراثية، وتزخر تطوان بمقاهيها القديمة التي كانت ملتقى الأدباء والمفكرين، احتفظت بغداد بالشابندر بوصفه بيتًا للكلمة الحرة. فالمدن العربية، مهما تباعدت جغرافيًا، تلتقي في مقاهيها؛ حيث تُولد الأفكار، وتُحفظ الذاكرة، ويصبح فنجان الشاي شاهدًا على التاريخ.

 

واليوم، لا يزال الشابندر يستقبل زواره كما فعل منذ أكثر من مئة عام، ليس بوصفه مقهى فحسب، بل بوصفه ذاكرة حية تؤكد أن المدن قد تتعب، لكنها لا تنسى، وأن بغداد، مهما مرّت بها العواصف، قادرة دائمًا على أن تنهض وتحكي حكايتها من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock