عقربة الوقت وتآكل الأجيال

خاص – يسبريس تيفي7 | تمار عامر
قد تبدو احتجاجات الخريجين المطالبين بالتعيين مشهداً يومياً مألوفاً في بغداد، لكن بعض القضايا لا تنتهي بانفضاض المظاهرة، بل تبدأ بعدها.

ماذا يحدث لشاب يتخرج من الجامعة ليقضي خمس أو سبع سنوات في انتظار كتاب تعيين؟ وماذا يحدث للمهارات التي دفع ثمنها من عمره وماله حين لا تجد مساحة لتُستخدم؟
الوقت هنا لا يمرّ من دون أن يترك أثراً. فكل سنة يقضيها الخريج في الانتظار قد تعني مهارة ينسى جزءاً منها، أو معرفة تحتاج إلى تحديث، أو حماساً يخفت شيئاً فشيئاً. فالشاب لا ينتظر وظيفة فقط، بل ينتظر أن يبدأ حياته ويجد مكاناً لما تعلمه طوال سنوات الدراسة.

الخطر الحقيقي الذي قد لا نراه الآن هو الفجوة الجيلية. بعد سنوات، قد نجد جيلاً سبقته الفرص والخبرة، وجيلاً آخر أُجبر على استهلاك أجمل سنوات عطائه في الانتظار أمام أبواب الوزارات. وهذه الفجوة لا تضرب سوق العمل فقط، بل تضرب قدرة المجتمع على تجديد نفسه.
والأمر لا يتوقف عند الخريجين في العراق. قبل أسابيع، اتجه آلاف الشباب المغاربة نحو سبتة الإسبانية، بعضهم عبر البحر، بحثاً عن فرصة وحياة أفضل، في مشهد انتهى بمأساة أودت بحياة عدد من المهاجرين.

قد تختلف الأسباب والتفاصيل من بلد إلى آخر، لكن الصورة واحدة في جانب منها: شاب يشعر أن مستقبله بعيد، وأن الفرصة التي يبحث عنها قد تكون خلف حدود بلده. وهنا يصبح السؤال أكبر من الهجرة أو التعيين؛ ماذا يحدث لجيل يشعر أن عليه أن يغادر مكانه حتى يجد مكاناً له في الحياة؟
نحن أمام ظاهرة يمكن أن نسميها «اختصار العمر». الحروب والأزمات والنزوح والفقر والهجرة والبطالة، كلها قد تدفع الإنسان إلى مغادرة مرحلته الطبيعية، وتحمله مسؤوليات وأسئلة أكبر من عمره.

لهذا، فإن عقربة الوقت التي تدور اليوم في ساحات التظاهر وأمام المؤسسات الحكومية، أكبر من مجرد مطلب وظيفي. إنها جرس إنذار يسأل: ماذا سيخسر العراق عندما تتحول سنوات البناء إلى سنوات انتظار؟
وربما يكون السؤال نفسه مطروحاً في بلدان أخرى، من العراق إلى المغرب، وإن اختلفت الطرق التي يبحث بها الشباب عن مستقبلهم.
الجواب لن يظهر اليوم، لكن عقربة الوقت بالتأكيد لن تتوقف من أجلنا.



