أنفاس الموريسكيين وإيقاع الحزن المقاوم… في رحاب الفلامنكو الإسباني
حين تشاهد الفلامنكو للمرة الأولى، قد تراه مجرد رقصة إسبانية تؤديها امرأة بفستان واسع، تحرك ذراعيها وتضرب الأرض بقدميها على إيقاع الجيتار والتصفيق. لكن عندما تقترب من حكايته، تكتشف أنه أكثر من رقصة؛ إنه حكاية طويلة من الألم والفرح والكبرياء، اجتمعت فيها ثقافات مختلفة حتى أصبح الفلامنكو الإسباني واحداً من أشهر الفنون المرتبطة بالأندلس.
ومن أكثر الحكايات التي ارتبطت بالفلامنكو رواية تقول إنه كان صوت الأندلسيين والموريسكيين الذين عاشوا مرحلة قاسية بعد سقوط غرناطة عام 1492، وأن بعضهم حمل ألمه معه، واختلط بالغجر في جنوب إسبانيا، فتحول ذلك الوجع مع الوقت إلى غناء وموسيقى ورقص. حتى تسمية «فلامنكو» ارتبطت في إحدى الروايات بعبارة «فلاح منكوب»، في إشارة إلى الفلاحين الذين فقدوا أرضهم وحياتهم القديمة.

لكن هذه الرواية، رغم انتشارها وجمال صورتها، ليست حقيقة تاريخية محسومة. فأصل كلمة «فلامنكو» ما زال موضع نقاش، كما أن نشأة هذا الفن لم تكن نتيجة حدث واحد أو جماعة واحدة. الفلامنكو الذي نعرفه اليوم تشكل عبر سنوات طويلة من تداخل الثقافة الأندلسية والغجرية والإسبانية، وكان للمجتمع الغجري دور مهم جداً في تطوره وانتقاله من جيل إلى آخر.
ومع ذلك، تبقى صورة الأندلس التي تحملها هذه الرواية مؤثرة. فبعد سقوط غرناطة، لم تختفِ كل آثار الأندلس في لحظة واحدة، بل بقيت اللغة والعادات والموسيقى والذاكرة حاضرة بأشكال مختلفة. ومن هنا يمكن فهم لماذا ارتبط الفلامنكو في الذاكرة الشعبية بالحزن والحنين إلى مكان لم يعد كما كان.
في بداياته، لم يكن الفلامنكو عرضاً كبيراً على المسارح كما نراه اليوم. كان أقرب إلى تعبير بسيط عن الحياة، عن التعب والحزن والفقد، لكنه كان يحمل أيضاً الفرح والاحتفال. ومع الوقت، تطور وأصبح يجمع بين الغناء والرقص والعزف على الجيتار والتصفيق وضربات القدم، وهي العناصر التي جعلت من الفلامنكو فناً له شخصيته الخاصة.
وربما كان الغناء هو أكثر ما يكشف روح الفلامنكو.
صوت المغني لا يأتي دائماً هادئاً أو صافياً، بل يحمل أحياناً شيئاً من الخشونة، وكأن وراءه حكاية قديمة أو وجعاً لم ينتهِ. ولهذا يستطيع الفلامنكو أن ينقل الحزن والفرح في اللحظة نفسها.
أما رقصة الفلامنكو، فهي حكاية أخرى تُكتب بالجسد.
ضربة القدم ليست مجرد حركة، والتصفيق ليس مجرد إيقاع. هناك لغة في حركة اليدين والأصابع، وفي طريقة الوقوف، وفي حركة الرأس، وحتى في النظرة.
تظهر المرأة في الفلامنكو بحضور قوي. فستانها الواسع ذو الألوان والزخارف يتحرك مع جسدها، وذراعاها ترسمان حركات ناعمة في الهواء، بينما تتصاعد ضربات قدميها على الأرض. أما الرجل، فيظهر غالباً بحركات أكثر قوة، يعتمد فيها على الإيقاع وضربات القدم والحركة السريعة.
وهنا نصل إلى كلمة «دويندي» (Duende)، وهي من الكلمات المرتبطة كثيراً بالفلامنكو. من الصعب ترجمتها بكلمة واحدة، لكنها تعبر عن لحظة يشعر فيها الفنان بالموسيقى بشكل عميق، فيصبح أداؤه أكثر من مجرد حركات محفوظة.
وللفلامنكو عشرات الأنماط، ولكل نمط إيقاعه ومزاجه الخاص. هناك «السوليا»، وهي من الأنماط التي تحمل طابعاً حزيناً وتأملياً، و«السجيريا» التي تتميز بجو أكثر ثقلاً ودرامية، في مقابل «البوليريا» و«الأليغرياس» التي تحمل إيقاعات أسرع وأجواء أكثر فرحاً. وهناك أيضاً «السيفيليانا»، وهي رقصة شعبية مرتبطة باحتفالات إشبيلية.
ومع مرور الوقت، خرج الفلامنكو من البيئات الشعبية إلى المسارح وأماكن العروض المعروفة باسم «التابلاو»، وانتشر في مدن أندلسية عديدة، ثم أصبح فناً عالمياً. ولم يعد من الممكن الحديث عن الموسيقى الإسبانية الحديثة من دون التوقف عند تأثير الفلامنكو وحضوره.
ولم يتوقف الفلامنكو عند شكله القديم، بل تغير مع الزمن ودخلت عليه تأثيرات موسيقية جديدة، من دون أن يفقد صلته بجذوره. وكان لعازفين وفنانين كبار، مثل باكو دي لوسيا، دور في وصول هذا الفن إلى جمهور واسع خارج إسبانيا.
وفي عام 2010، أدرجت منظمة اليونسكو الفلامنكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية، باعتباره فناً يجمع الغناء والرقص والعزف، ويحمل مشاعر مختلفة من الحزن إلى الفرح والاحتفال.
ولهذا، يصعب أن أراه مجرد رقصة.
أراه صوتاً وخطوة ونظرة وإيقاعاً. أراه تاريخاً مرّ عبر أناس وثقافات مختلفة، ثم وجد طريقه إلى العالم.
وربما أكثر ما أحببته في الفلامنكو هو أنه لا يحاول إخفاء الحزن، بل يحوله إلى شيء آخر.
إلى حركة.
إلى صوت.
إلى إيقاع.
ثم يضرب الأرض بقدمه… ويواصل الرقص.
وربما لهذا أشعر أن الأندلس قريبة مني رغم المسافة. أنا امرأة من الشرق، من بلاد الرافدين، لكنني أعشق الأندلس والمغرب العربي، وأشعر دائماً أن بيننا خيطاً لا تقطعه الجغرافيا. ربما لأننا أبناء حضارات عرفت كيف تحفظ ذاكرتها في اللغة والموسيقى والحكايات، وكيف تحول الألم إلى شيء يبقى.
من بلاد الرافدين إلى الأندلس، تبقى بعض الأرواح متشابهة… تبحث عن أثرها القديم في صوت، أو أغنية، أو رقصة.



