
تقرير؛ فؤاد الياجيزي
في قلب كوبنهاگن، حيث تتقاطع تقاليد الملكية الدّنماركية القديمة، مع نموذج إجتماعي قائمٍ على الإنفتاح والإندماج، تبرز الجالية المغربية بوصفها جسرًا حيًا بين المغرب والدنمارك.
ولقاءات الملك فريدريك العاشر بمكونات المجتمع الدنماركي، ومنها الجاليات المقيمة في المملكة، تتجاوز دلالتها البروتوكولية إلى رمزية أعمق تتعلق بالاعتراف بتنوع المجتمع ودوره في بناء الحياة العامة.
تُعدّ الدّنمارك مملكةً دستوريةً ذات تاريخٍ ملكي عريق، ويتولى العرش منذ 14 يناير 2024 الملك فريدريك العاشر، بعد تنحّي الملكةمارغريت الثانية عن الحكم لصالح إبنها.
وقد شكّل هذا التحوّل حدثًا تاريخيًا في كوبنهاگن، حيث جرى إعلان تولي فريدريك العرش في قصركريستيانسبورگ، مقر المؤسسات الملكية والبرلمانية في العاصمة.
ولا يمثل الملك في النظام الدنماركي مجرد رمزبروتوكولي، بل يحمل حضورًا رمزيًا واسعًا في الحياة العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن لقاءاته بالمواطنين والجاليات تُقرأ بوصفها رسالة بالإندماج والإنماء المشترك، في بلد يعتمد نموذجًا اِجتماعيًا يُولي أهمية للمُساواة والخدمات العامة والمشاركة المدنية.
وتشكِّل الجالية المغربية المقيمة في الدنمارك، وكوبنهاگن خصوصًا، نسيجًا اجتماعيًا وثقافيًا فاعلًا، يضم فاعلين جمعويين وأعضاء في مجلس الجالية المغربية بالخارج، إضافة إلى مهنيين وطلبة ورجال أعمال وأسر مغربية مندمجة في الحياةالدنماركية.
وقد عَرفت العاصمة الدّنماركية فعاليات مغربية بارزة، من بينها اِحتفالٌ بالذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء أقيم في ساحة قريبة من قلعة كريستيانسبورگ، بحضور أفراد من الجالية وبمبادرة من المنتدى الدنماركي المغربي.
وتتجلّى حضورية الجالية في مجالات متعددة، أبرزها الحفاظ على الهوية المغربية ونقلها إلى الأجيال الجديدة، والمساهمة في التّعريف بالثّقافة المغربية داخل المجتمع المُضيف، والمشاركة في القضايا الوطنية والتنموية. كما تُعد كوبنهاگن فضاءً لتنظيم لقاءات تواصلية تجمع المغاربة المقيمين في الدنمارك ودول إسكندنافية أخرى.
حين يلتقي ملكُ الدنمارك بأفراد من الجالية المغربية، فإنّ الرّسالة لا تقتصر على مجاملة إجتماعية أو حضور إحتفالي. بل تعكس إعترافًا مُؤسّسيًا بأنّ المواطنين من ذوي الأصول المهاجرة جزء من النسيج الوطني الدنماركي، وأن تنوع الخلفيات الثّقافية يمكن أن يكون مصدر إثراءٍ لا عائقًا أمام الإندماج.
وتكتسب هذه الرّمزية أهمّيةً خاصّة في كوبنهاگن؛المدينة التي تجمع بين مظاهر الحداثة الأوروبية والإنفتاح الثقافي، وهي التي شهدت أنشطة مغربية علَنِية قرب مقر البرلمان الدنماركي، في مشهد يعكس اِندماج الرّمز المغربي في الفضاء العام الدنماركي.
وتمثّل العلاقات المغربية الدنماركية فضاءً مِتناميًا للتعاون السّياسي والإقتصادي والثقافي. وقد عبّرت الدنمارك عن تقديرها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية بوصفها أساسًا جيدًا لحلٍّ ُِمُتَّفَقٍ عليه بشأن قضية الصحراء المغربية، في تصريح لوزير خارجيتها لارس لوكه راسموسن خلال استقباله وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، في كوبنهاگن.
كما تسهم السفارة المغربية في كوبنهاگن في تعزيز هذا الجسر عبر فعاليات مؤسسية وثقافية تجمع الجالية والشركاءالدنماركيين
وفي حفل تخليد ذكرى عيد العرش، أكّدت السّفيرة فتيحة العيادي أن الخطاب الملكي يجسد صورة مغربٍ قويٍّ وفاعل دوليًا، بحضور شخصيات دنماركية من عوالم السياسة والإقتصاد والإعلام، إلى جانب أفراد الجالية المغربية وممثلي المجتمع المدني.
ومغاربة كوبنهاگن نموذج للإنتماء المزدوج، حيث
يمكن قراءة تجربتهم بوصفها نموذجًا للإنتماء المُزدوج الواعي: إنتماء إلى الوطن الأُمّ في هويته وذاكرته وقضاياه، واِنتماءٌ في الوقت نفسه إلى المجتمع الدنماركي من خلال العمل والدراسة والمشاركة المدنية والثقافية.
ولا يقوم هذاالنموذج على الإنغلاق في الهوية، بل على القدرة على الجمع بين الأصالة والاندماج؛ فالجالية تحافظ على لُغتها ورموزها وتقاليدها، وتشاركُ في الوقت ذاته في الحياة العامة الدّنماركية، وتُسهِم في بناء صورة إيجابية عن المغرب داخل مجتمع مضيف يقدّر التنوع.
إنها رسالةٌ تتجاوز الحدث، فلقاء الملك بالجالية،يبقى حدثًا رمزيًا يحمل دلالات متجاوزة للحاضر: فهو تأكيد على أن الجاليات ليست أرقامًا إحصائية أو ملفات هجرية، بل فاعلون اجتماعيون وثقافيون واقتصاديون يسهمون في بلدان الإقامة، ويحافظون في الوقت نفسه على صلتهم بموطنهم الأصلي.
وفي كوبنهاگن، حيث تلتقي الملكية الدنماركية بتاريخها العريق مع مجتمع حديث منفتح، يقدم المغاربة نموذجًا عمليًا لما يمكن أن تفعله الجالية حين تتحوّل من حضورٍ مُجتمَعِيٍّ إلى جسر حضاري بين المغرب وأوروبا



