
فؤاد الياجيزي
أضفى الخطاب الملكي السامي، الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بمناسبة اِفتتاح الدّورة الأولى من السّنة التّشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، بُعداً إستراتيجياً جديداً على مكانة الإقتصاد الرّقمي والذكاء الإصطناعي في مسار التّنمية الوطنية.
فقد أدرج جلالته حفظه الله هذين المجالين ضمن جيل جديد من الإستراتيجيات الكبرى، إلى جانب الأمن المائي والطّاقي والغذائي والإقلاع الصّناعي، في إشارةٍ واضحةٍ إلى أنّ التّحوُّل الرّقميَ لم يعُد ملفّاً تقنياً أو قطاعاً إقتصادياً اعتيادياً ، بل أصبح رهانا حاسما في بناء المغرب الإقتصادي والسيادي للمستقبل.
فمن التحديث التقني إلى الرّهان السّيادي
لم يعد الإقتصاد الرّقمي والذكاء الإصطناعي مجرّدَ أدواتٍ لتحسين الخدمات أو تسريع الإجراءات الإدارية، بل تحوُّلاً إلى بِنيَةٍ تحتية غير مادية تُؤطِّر إنتاج الثروة، وتنظيم الخدمات العمومية، وحماية البيانات، وتعزيز القدرات التشغيلية للدولة.
إن التّأكيد الملكي على هذا المحور يضع التكنولوجيا في صُلب مفهوم السّيادة الوطنية المعاصر، الذي لم يعد يقتصر على حماية الحدود والموارد، بل يمتدُّ إلى السِّيادة الرّقمِيَة، وأمن البيانات، والإستقلال في اتِّخاذ القرار التقني.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في سياق دولي تتسارع فيه التحوُّلات الجيوسياسية والجيوإقتصادية، وتتنافس فيه الدُّول على السّيطرة على البُنى التحتِيَة الرّقمية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وسلاسِل توريد أشباه الموصلات والبيانات.
ومن هذا المُنطلق، فإنّ بناء قدراتٍ وطنيةً في هذا المجال لا يُمثِّل ترَفاً تنموياً، بل ضرورة إستراتيجية تُمكّن المغرب من ترسيخ مكانته بوصفه قوة إقتصاديةًصاعِدة وشريكا موثوقا.
إنّ الإقتصاد الرّقمي محرِّكٌ لِلتّنافسيةإذ
يمثل الإقتصاد الرقميّ رافعةً أساسية لرفع تنافسية الإقتصاد الوطني، من خلال تسريع التحوُّل الرّقمي للمؤسّسات، وتطوير الخدمات العمومية، وتحسين مناخ الأعمال، وفتح آفاق جديدة أمام المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
كما يتيح هذا التحوّلُ إدماج القطاعات التقليدية في منظومة إنتاجٍ أكثرَ كفاءةً، ويُعَزّز القُدرة على الإستثمار والتّصدير وخلق فرص الشغل، وهي أولويات أكد عليها الخطاب الملكي السّامي في سياق الدّعوة إلى جعل القطاع الخاص شريكاً إستراتيجياً في التحوُّل التنموي.
غير أن نجاح هذا المسار لا يقوم على الرقمنة الشكلية وحدها، بل يتطلب بناء منظومةٍ متكاملةً تشمل البنية التحتية للإتصالات ، وتأمين الشبكات، وتطوير المهارات الرقمية، ودعم الابتكار، وتشجيع ريادة الأعمال التقنية.
كما يستَوجِب توفير إطارٍ قانوني وتنظيمي يوازن بين تشجيع الإبتكار وحماية المستهلك والبيانات الشخصية، بما يضمن أن يبقى التحول الرقمي في خدمة المواطن وليس مجرد عملية تقنية معزولة عن الواقع الاجتماعي.
إنّ الذّكاء الإصطناعي ينحو من الأداة إلى القدرة الوطنية، إذ
يحتلّ الذكاء الإصطناعي موقعاً مركزياً في هذه الرُّؤية، لما يوفِّره من إمكاناتٍ في تحسين التّشخيص الصّحي، وتطوير التعليم، وتسيير الموارد المائية والطاقية، وتحسين النّقل واللّوجستيك، ودعم الصناعة، ومحاربة الظواهر الإجرامية.
غير أن قيمته الحقيقية لا تكمُن في اِستيراد الحُلول الجاهزة، بل في القدرة على تطوير حلولٍ مغربيةٍ تُراعي خصوصيات المجتمع والإقتصاد الوطني، وتستثمر في الكفاءات والبيانات والبنيات التحتية المحلية.
وقد اِنطلَق المغربُ فِعلياً في هذا الإتجاه من خلال خارطة طريق وطنية للذكاء الإصطناعي ، تستهدف خلق قيمةٍ إقتصادية مهمة، وتوفير آلاف فرص الشغل، وتكوين عدد كبير من الكفاءات في هذا المجال.
وهذه الدّيناميكِيَة تمنح البلاد فرصة للإنتقال من موقع المُستهلِك للتّقنية إلى موقع الفاعل المنتج والمُبتكِر، شرطَ تعبئة الجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص والمؤسسات العمومية حول مشروع وطني موحَّد.
إنّ الشّباب رأسُ المال البشري للتحوُّل الرّقمي، إذ
لا يمكن الحديث عن إقتصادٍ رقميٍّ وذكاء إصطناعيٍّ دون جعل الشباب في قلب هذه الاستراتيجية.
فالجيل الشاب يُمثِّل أهمّ رأس مال بشري يمكن أن تحوِّله المملكة إلى قوةٍ تنافسيةٍ في الإقتصاد المعرِفي، شريطة توفير تكوين نوعي، وفتح مجالات حقيقية للتشغيل، ودعم المشاريع المبتكرة، وتمكين الشباب من الوصول إلى التمويل والأسواق والتقنيات.
لقد جعل الخطاب الملكي السّامي قضايا الشباب في صدارة السّياسات العمومية، بما يعكس إدراكاً مَلكِياً بأنّ التّنميةَ الرّقميةَ لا معنى لها إذا لم تُتَرجَم إلى فُرصٍ ملموسة للشباب.
كما أنّ نجاح هذا التحوّل يتطلّب تقليص الفوارق المجالية والرقمية بين المدن والمناطق القروية، حتى لا يتحوّل الإقتصاد الرقمي إلى فضاءٍ جديدٍ لِلتّفاوُت.
فالوصول العادل إلى الإنترنت، والكهرباء، والتكوين، والخدمات الرقمية، يمثِّل شرطاً أساسياً لضمان أن يكون التحوّل التّقني عادلاً وشاملاً، لا مقتصراً على فئاتٍ أو أقاليمَ بعينها.
وتبقى تحدّيَاتُ التّنفيذ والمسؤولية المؤسّسية في الإنتقال من التّوجيه الإستراتيجي إلى التّنفيذ الفعلي. فالخطأ المولويّ الملكي السّامي لا يكتفي برسم طموحٍ وطني، بل يضع أمام الحكومة والبرلمان والقطاع الخاص مسؤوليةً واضحةً تتمثّل في تحويل الأولويات المُعلَنة إلى برامجَ ملموسة، بمؤشّراتٍ قابلةٍ للقياس، وجداول زمنية واضحة، وحَوْكَمَة فعّالة تضمن الإستمراريةَ والشّفافية.
ويتعين في هذا الإطار تجاوُزُ المنطق القطاعي المُنفصِل، والعمل على تكامل السّياسات العمومية، بحيث يرتبط الإقتصاد الرّقمي بالتّعليم والصّحة والصّناعة والفلاحة والطّاقة والإدارة.
كما ينبغي تعزيزُ الشّراكة بين القطاع العام والخاص، وتشجيع الإستثمار في الشّركات النّاشِئة، ودعمِ البحث العلمي، وضمان حماية البيانات والأمن السيبراني، بِاعتبارها شروطاً لا غِنى عنها لبناء ثقةٍ رقمية مِستدامة.
إن إدراجَ الإقتصاد الرّقمي والذّكاء الإصطناعي ضمن الإستراتيجيات الكبرى للمملكة يُمَثّل منعطفا مهما في مسار التّنمية الوطنية، إذ ينقل التّكنولوجيا من كونها وسيلةً مساعدةً إلى كَونِها ركيزةً لِلسّيادة الاقتصادية والرّقمية ومُحرّكاً لِلتّنافسية والإبتكار.
وتظل الرّسالة الجوهرية للخطاب الملكي السّامي هي أنّ المستقبلَ لا يُنتظر، بل يُبنى عبر استثمارٍ واعٍ في المعرفة، والكفاءات، والبِنيات التحتية، والشباب، بما يُرَسِّخ مكانة المغرب كفاعل إقتصادي صاعدٍ وقادرٍ على مواكبة تحوّلات العالم الرّقمي.



