ثقافة وفن

التبوريدة…من طقوس الحرب عند الأجداد إلى فن الفرجة عند الأحفاد

إدريس رزقي

التبوريدة ليست مجرد استعراض للخيول، بل هي ذاكرة أمة تُروى على صهوات الجياد، وصرخة بارود تختزل تاريخ المغاربة في طلقة واحدة.

التبوريدة، أو “الفانتازيا” كما يسميها المستشرقون، فن حربي أصيل ورثه المغاربة عن الأجداد. كانت في الأصل خطة عسكرية محكمة، يصطف فيها الفرسان في صف متراص، ينطلقون كالسهم الواحد، ثم يطلقون البارود في وجه العدو لإرباكه وبث الرعب في صفوفه. وكانت الطقوس التي تسبق الانطلاق لا تقل أهمية عن المعركة نفسها، من دعاء وتلاوة للقرآن وتوكل على الله.

واليوم، تحولت تلك الطقوس الحربية إلى فن للفرجة، لكنها حافظت على روحها وضوابطها الصارمة.

فالسربة، التي تضم عددا معينا من الفرسان، يقودها “المقدم”، وهو القلب النابض للمجموعة. لا يأتمر الفرسان إلا بأمره، ولا ينطلقون إلا بإشارته. لباسهم موحد وأنيق: الجلابة البيضاء أو الصفراء، والسلهام، والعمامة، والخنجر، والبلغة، وفوق ذلك كله “المكحلة” المزخرفة، والحصان البربري أو العربي الأصيل المسرج بسرج تقليدي مطرز.

وتكمن جمالية التبوريدة في لحظتها الأخيرة، تلك اللحظة التي يطلق عليها “الطَّلْقة”. خيول تعدو بسرعة جنونية في انسجام تام، ثم تتوقف فجأة بأمر من المقدم، لتنطلق طلقة بارود واحدة مدوية. كلما كانت الطلقة موحدة، كان العرض ناجحا، وكلما تفرقت، علت صيحات الجمهور: “السربة عوجا”.

لم يعد هذا الفن حكرا على ساحات الحرب، بل أصبح نجم المواسم والمهرجانات، من موسم مولاي عبد الله أمغار إلى موسم طانطان، وهو ما جعل منظمة اليونسكو تسجله ضمن التراث الثقافي اللامادي للإنسانية، اعترافا بقيمته التاريخية والرمزية.

فالتبوريدة اليوم أكثر من مجرد فرجة؛ إنها مدرسة لتلقين الشباب معاني الانضباط والشجاعة والوفاء للحصان، وحبل سري يربط الأحفاد بطقوس الأجداد، ويجعل البارود يتكلم بلغة لا يفهمها إلا من عشق الأرض والخيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock