نصب الحرية في بغداد: قصة جواد سليم ولورنا سليم وكواليس إنجاز النصب

تمار عامر
لم يكن جواد سليم يعرف أن العمل الذي وضع فيه رؤيته الفنية، واستنزف من أجله جهداً ووقتاً طويلين، سيكتمل في بغداد من دونه. كان النصب الذي أراده حكايةً عن الحرية والتحولات التي عاشها العراق يقترب من نهايته، لكن صاحبه رحل قبل أن يرى البرونز يستقر في موضعه الأخير، تاركاً وراءه مشروعاً لم يتوقف عند غيابه، بل حمله آخرون حتى اكتملت ملامحه.
في ساحة التحرير، وسط حركة بغداد وضجيجها، تقف الجدارية اليوم كأنها صفحة مفتوحة من تاريخ العراق. غير أن المرور أمامها لا يكشف بالضرورة كل ما تحمله من حكايات؛ فخلف الشخصيات المنحوتة قصة فكرة بدأت مع المعماري رفعت الجادرجي، واتخذت شكلها الفني على يد جواد سليم، ثم واصلت طريقها بمشاركة محمد غني حكمت ولورنا سليم، في تجربة اجتمع فيها الإبداع مع الفقد، والعمل مع الوفاء.
بدأت الحكاية بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، حين طُرحت فكرة تخليد الحدث بعمل فني يليق ببغداد وتاريخها. كان المطلوب نصباً لا يشبه الأعمال التقليدية، بل يحمل في تكوينه مشاهد الثورة والتحولات التي شهدها المجتمع العراقي. وتولى المعماري رفعت الجادرجي وضع التصور الأولي للمشروع، مستلهماً مشهد الشوارع التي امتلأت باللافتات التي رفعها المتظاهرون، ليفكر في جدارية عريضة تتحول من مجرد سطح إلى مساحة تروي حكاية بلد.
لم يكن الجادرجي متخصصاً في النحت، لكنه امتلك تصوراً معمارياً واضحاً للمشروع، فاتجه إلى جواد سليم، أحد أبرز رواد الفن التشكيلي العراقي الحديث، وعرض عليه فكرة جدارية يبلغ امتدادها نحو خمسين متراً. كان التحدي كبيراً؛ فكيف يمكن اختزال حدث تاريخي بكل ما يحمله من صراع وألم وأمل في تكوين فني واحد، من دون أن تتحول الشخصيات إلى مشاهد منفصلة لا يجمعها سوى الجدار؟
هنا بدأت رؤية جواد سليم تأخذ طريقها إلى التنفيذ. لم يتعامل مع الجدارية باعتبارها مجموعة تماثيل متجاورة، بل بوصفها سرداً بصرياً تتصل فيه الشخصيات والرموز، وتنتقل فيه العين من مشهد إلى آخر كما تنتقل بين سطور الحكاية. واستلهم من فنون بلاد الرافدين القديمة، ولا سيما تقاليد النحت البارز، لكنه لم يكتفِ باستعادة أشكال الماضي؛ بل أعاد توظيفها للتعبير عن الإنسان العراقي في لحظة تاريخية حديثة، وعن تطلعاته إلى التحرر والحياة والبناء.
في عام 1959، انتقل سليم إلى إيطاليا للعمل على المشروع، حيث تحولت التصاميم والنماذج الأولية إلى وحدات نحتية أُعدت لصبها بالبرونز. ولم يكن الانتقال من الفكرة إلى المادة أمراً بسيطاً؛ فكل جزء كان يحتاج إلى دقة في التنفيذ، كما أن تركيب الوحدات لاحقاً يتطلب الحفاظ على العلاقات البصرية التي وضعها الفنان بين الشخصيات. لم يكن المطلوب أن تبدو الأجزاء جميلة كلٌّ على حدة فحسب، بل أن تتكامل جميعها لتصنع معنى واحداً.
وفي هذه المرحلة، برز دور النحات العراقي محمد غني حكمت، الذي ارتبط بجواد سليم بعلاقة فنية وإنسانية، وأسهم في مراحل تنفيذ العمل البرونزي. فقد كان إنجاز النصب يتطلب خبرة تتجاوز النحت نفسه، لتشمل صب الأجزاء وتجهيزها ونقلها وتركيبها، من دون الإخلال بالتكوين الذي أراده صاحبه. وهكذا أخذ المشروع يتقدم، قطعةً بعد أخرى، حتى باتت الجدارية أقرب إلى الظهور في صورتها النهائية.
يتألف نصب الحرية من أربع عشرة وحدة برونزية تضم خمساً وعشرين شخصية، إلى جانب أشكال حيوانية، وتمتد على جدارية خرسانية مكسوة بالحجر. وتُقرأ مشاهده من اليمين إلى اليسار، وفق اتجاه الكتابة العربية، لتتحول إلى حكاية تتدرج من الاضطراب والمواجهة إلى التحرر والأمل.
في هذه الجدارية لا تظهر الحرية بوصفها كلمة معلقة فوق رؤوس الناس، بل بوصفها تجربة لها ثمنها الإنساني. فالمرأة الباكية والأم التي تحتضن ابنها تستحضران الألم الذي يرافق التحولات الكبرى، بينما يجسد السجين السياسي والجندي الذي يحطم القضبان لحظة الانعتاق من القيود. وعلى امتداد المشاهد، تتقدم رموز الحياة والعمل والأرض، لتربط بين التحرر وبين ما ينتظره الإنسان بعده من بناء واستقرار وكرامة.
لكن المشروع الذي كان يقترب من الاكتمال واجه منعطفاً لم يكن في حسابات أصحابه. ففي الثاني والعشرين من كانون الثاني عام 1961، توفي جواد سليم إثر نوبة قلبية، قبل أن يكتمل تركيب النصب. رحل وهو في الحادية والأربعين من عمره، تاركاً وراءه عملاً لم يكن مجرد تكليف فني، بل مشروعاً حمل جانباً من رؤيته للعراق والإنسان والتاريخ.
كانت المفارقة قاسية؛ فالجدارية التي أرادها سليم لتخلّد لحظة من تاريخ بلاده أصبحت هي الأخرى شاهدة على غيابه. وبينما كان البرونز ينتظر أن يستقر في مواضعه، كان على من بقي من الفنانين أن يتعاملوا مع واقع جديد: كيف يُستكمل عمل بهذا الحجم من دون صاحبه، وكيف تُحفظ رؤيته من أن تتبدل بعد رحيله؟
وتروي شهادات متداولة عن تلك المرحلة أن محمد غني حكمت كان يتابع إجراءات استقدام لحّام برونز إيطالي للمساعدة في استكمال أعمال التركيب، حين علم بوفاة جواد سليم. وتذكر الرواية أنه أخفى الخبر مؤقتاً خشية أن يتراجع الفني الإيطالي عن السفر إلى العراق إذا علم برحيل صاحب المشروع. وهي تفصيلة تكشف، إن ثبتت بتوثيق مباشر، حجم الضغوط التي أحاطت بالمهمة، لكنها تحتاج إلى مصدر تاريخي واضح قبل اعتمادها بوصفها واقعة محسومة.
كما ترتبط الحكاية برواية أخرى عن النحات خالد الرحال، صديق جواد سليم، الذي يُقال إنه سارع بعد وفاته إلى صنع قالب لوجهه، عُرف لاحقاً باسم «قناع الموت». وفي هذه الرواية جانب إنساني يضيف إلى تاريخ النصب معنى آخر؛ فالفنانون الذين اجتمعوا لإنجاز عمل يروي قصة التحرر كانوا يواجهون في الوقت نفسه فقدان صديق ترك بصمة واضحة في الحركة الفنية العراقية. ومع ذلك، فإن تفاصيل هذه الواقعة تستحق هي الأخرى التحقق من مصادر موثوقة.
بعد رحيل جواد سليم، برزت الحاجة إلى شخص يعرف تفاصيل رؤيته الفنية، ويستطيع متابعة تركيب الأجزاء بما ينسجم مع التصميم الأصلي. وهنا جاء دور زوجته لورنا سليم، الفنانة التي كانت قريبة من عالمه الفني، وتعرف طبيعة المشروع وما يتطلبه من عناية في ترتيب وحداته. تولت الإشراف على استكمال التركيب بالتعاون مع رفعت الجادرجي ومحمد غني حكمت، لتصبح مسؤوليتها أكبر من متابعة عمل متوقف؛ فقد كانت تسعى إلى إكمال مشروع ارتبط باسم زوجها وإرثه الفني.
لم تكن لورنا مجرد زوجة فنان رحل، بل كانت فنانة لها تجربتها ومعرفتها، وقد أتاح لها قربها من المشروع فهم تفاصيله ومتابعة تنفيذه. وبعد وفاة جواد، وجدت نفسها أمام مسؤولية مزدوجة: إتمام العمل، والحفاظ على الأمانة الفنية تجاه الرؤية التي وضعها. وهكذا أسهمت في استكمال النصب، حتى أصبح واحداً من أبرز المعالم الفنية في بغداد.
وفي السادس عشر من تموز عام 1961، افتُتح نصب الحرية، بعد أشهر من وفاة مبتكره. لكن روايات متداولة عن المناسبة تشير إلى أن لورنا لم تُدعَ إلى حفل الافتتاح، وهي تفصيلة مؤثرة لا يصح الجزم بها من دون الرجوع إلى شهادة موثقة أو مصدر تاريخي واضح.
وتُروى عن لورنا أيضاً كلمات تصف فيها شعورها بالرهبة عندما وقفت أمام النصب بعد اكتماله، وكأنها ترى للمرة الأولى حجم العمل الذي أنجزه زوجها. في تلك اللحظة، لم يكن ما أمامها مجرد جدارية برونزية؛ كان مشروعاً عاشت تفاصيله، وغاب صاحبه قبل أن يشهد نهايته، ثم واصلت هي وآخرون العمل حتى اكتمل.
إن ما يجعل قصة نصب الحرية جديرة بأن تُروى لا يقتصر على مكانته الفنية أو رموزه، بل يمتد إلى طبيعة العمل الجماعي الذي صنعه. فقد وضع رفعت الجادرجي التصور المعماري، وصاغ جواد سليم الرؤية النحتية، وأسهم محمد غني حكمت في التنفيذ، وتولت لورنا سليم متابعة تركيب الأجزاء بعد وفاة زوجها. وترتبط الحكاية كذلك بأسماء فنانين آخرين، من بينهم خالد الرحال، في سياق يعكس تداخل الأدوار داخل الحركة الفنية العراقية في تلك المرحلة.
ومع مرور العقود، تجاوز نصب الحرية المناسبة التي أُنشئ لتخليدها. لم يعد مجرد استعادة فنية لحدث سياسي، بل أصبح علامة ثقافية في فضاء بغداد، تحمل دلالات متعددة تتغير مع الأجيال والظروف. فما يراه أحدهم رمزاً للتحرر، قد يقرأه آخر بوصفه سجلاً لمعاناة الإنسان وتطلعه إلى حياة أكثر استقراراً وكرامة.
ولعل أهمية النصب تكمن في قدرته على تحويل التاريخ إلى صورة، والحدث إلى ذاكرة مرئية. فالشخصيات التي تتوزع على الجدارية ليست مجرد أشكال برونزية، بل أجزاء من حكاية تتناول الإنسان في لحظات ضعفه وقوته، وفي علاقته بالأرض والعمل والأمل. ولهذا ظل العمل حاضراً في ذاكرة بغداد، حتى مع تغير المدينة وتبدل الظروف التي تحيط به.
اليوم، لا يقف نصب الحرية شاهداً على ثورة مضت فحسب، بل يروي أيضاً قصة الفن حين يتحول إلى مسؤولية مشتركة، وقصة الحلم حين يواصل الآخرون حمله بعد غياب صاحبه. رحل جواد سليم قبل اكتمال مشروعه، لكن الرؤية التي وضعها بقيت حاضرة في كل جزء من الجدارية، وأسهم الآخرون في أن ترى النور وتحجز مكانها في ذاكرة العراق.
هكذا بقي نصب الحرية أكثر من جدارية من البرونز والحجر؛ بقي حكاية عن الإبداع والتعاون والفقد والوفاء، وعن قدرة الفن على الاحتفاظ بأحلام الناس حتى بعد رحيل الذين صاغوها. وبينما تتغير بغداد من حوله، يظل النصب جزءاً من ذاكرتها البصرية والثقافية، وشاهداً على مرحلة من تاريخ العراق تستحق أن تُروى للأجيال، لا بوصفها تاريخاً سياسياً فحسب، بل تجربة إنسانية وفنية صنعتها أيدٍ متعددة، واجتمعت فيها أحلام بلد بأكمله.



