
محمد جرو/مكتب مراكش
الدراسة التي أنجزتها مؤسسة “فريدريش إيبرت” الألمانية، تعتبر الأولى من نوعها عالميا من حيث الحجم والعمق وتنوع أبعاد المعالجة لأوضاع الشباب في العالم العربي ورؤى ملامح شخصياتهم الذاتية وتوقعاتهم بشأن فرص الحياة وآفاق المستقبل.
وتشمل الدراسة أربعة محاور رئيسية، أولها حول المفارقة بين أوضاع الحرمان، التي يعيشها الشباب في دول المنطقة والفرص القائمة أو المهدورة. وثانيها حول الأزمات المتعددة والمركبة التي يعيش في ظلها شباب دول المنطقة، ويركّز المحور الثالث على التوجهات الشخصية والتحولات في القيم الفردية والجماعية. أما المحور الرابع فيدور حول أنساق العلاقات الاجتماعية ومستوى الالتزام الاجتماعي للشباب ونظرته للمؤسسات ومدى ثقته فيها، وصولا إلى رصد تطلعاته وأحلامه على المستوى الشخصي والجماعي.
وفي تقييم مخاطر الأزمات وتداعياتها، يشخص الباحثون سبعة مظاهر أساسية للأزمات المؤثرة في حياة الشباب ونظرتهم الشخصية للمستقبل. وتأتي في مقدمتها جائحة كوفيد-19 وعواقبها، ونقص الإمدادات وانعدام الأمن والجوع التي ظهرت مع الجائحة وإبان الحرب الروسية على أوكرانيا، وثالثا أزمات اقتصادية على مستوى وطني، ورابعا سوء الإدارة في المؤسسات العامة، وخامسا: مواجهات مسلحة، وصولا إلى الأزمات البيئية والمناخية ومشاكل القيود المفروضة على حقوق الإنسان.
وتقدم الدراسة تحليلا لكيفية إدراك المراهقين والشباب لواقع الحياة في سياق كل هذه الأزمات. ومن وجهة نظر جيل الشباب، فهم محرومون من فرص الحياة المتساوية والمناسبة. ويرى المؤلفون أن هناك فجوة متزايدة بين “ما هو موجود” و”ما يمكن أن يكون ممكنا”. وبناء على ذلك، يصفون الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأنهم “جيل محروم”، حيث تسود خيبة الأمل والعجز.
وتعتبر المجموعة الرابعة،إذ قسم الباحثون الشباب الى مجموعات بحثية ، مفاجأة الدراسة، إذ تضم المغرب ومصر، حيث تفيد الاستطلاعات بأن معدل الرضا مرتفع نسبيا، وهو الأعلى من ضمن الدول الاثنتى عشرة، التي شملتها الدراسة. ورغم أن البلدين يواجهان تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة بسبب عدم التوازن بين النمو الديموغرافي والموارد المتاحة، إلا أن نظرة الشباب تتسم بالرضا عن أوضاعهم الشخصية في سياق عام، ويمكن تفسير ذلك بالخصوص بالفرص المتاحة لتحسين أوضاعهم، بخلاف حالة اليأس والعجز التي تصيب الشباب في المجموعتين الأولى والثانية. ويعزز هذا الاستنتاج معدل الرضا المرتفع نسبيا عن الوضع الاقتصادي في البلدين والفرص والآفاق المتاحة للشباب فيهما.
وتصدر الدراسة ككتاب عن دار النشر “ديتز” في بون (Verlag J.H.W. Dietz Nachf., Bonn) نهاية الشهر الحالي، وتقع في أكثر من 400 صفحة ومعها ملحق من سبعين صفحة يتضمن معلومات عن منهجية الأبحاث والاستطلاعات التي شملت 12 ألف شاب وشابة، تتراوح أعمارهم من 16 وحتى 30 عاما، في اثنى عشر بلدا من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث أجريت المقابلات سنتي 2021 و2022 في مصر والجزائر والعراق واليمن والأردن ولبنان وليبيا والمغرب وفلسطين والسودان وسوريا وتونس.



