ثقافة وفنمقالات واراء

بين الفصحى والدارجة : المقبول والمرفوض

د . مولاي علي الخاميري
أستاذ جامعي -مكتب مراكش

الحلقة الأولى :

في شهر دجنبر 2023 ولَمَّا خرج قرار منظمة اليونسكو التي صنفت فيه الملحون ضمن قائمة التراث الإنساني الأدبي والفني اللا مادي نشرتُ مقالا بعنوان : ( الفصحى والعامية في تراث الملحون المغربي : تجاور وتكامل أم اصطدام وتنافر ) وأريد في هذ المقال أن أعود إلى الموضوع بما جَدَّ في نفسي ، وأن أضيف إليه ملاحظات تغنيه ، وتُظهِر معالمَه بوضوح جلي .

لا أعرف سبب أنني كلما هممت بالكتابة في هذا الموضوع عَلَيَّ أن أبرئ ذمتي من أي قصد سلبي سوى القصد المعرفي المُبتغى من وراء البحث العلمي النزيه ، وأن أذَكِّرَ القارئ أنني من أنصار اللغة الفصحى ، ومن المتخصصين في أدبها ، والعاشقين لتراثها الجميل .

مناسبة هذا المقال الجديد هو ما استنتجه من مطالعة كتابين مفيدين في موضوع علاقة الدارجة بالفصحى ، الأول يقع في جزءين كبيرين ، وعنوانه هو : ( معجم الدارجة المغربية – الجذور والاختلافات الجهوية ) لمؤلفه محمد بوسلام ، والثاني بعنوان : ( بلاغة اللغة الدارجة وآفاق التأويل ) للمصطفى بن سلطانة ، وهو كتاب صغير الحجم ومشتت المواضيع ولكنه مفيد وذو نَفَس جديد في محتواه المتجه للكشف عن مكامن البيان والجمال في دارجتنا المغربية .

مثل هذه الإنجازات الفكرية الهادفة يجب أن ننتبه إليها ، ونُظهِر محتواها للقارئ لما لها من مزايا كثيرة ومتنوعة :

أولاها أنها تتخذ من المنحى الإبداعي طريقا للوصول إلى القيم العلمية والجمالية الكامنة في لغتنا الدارجة .

ثانيها أنها تقوم على أسس فكرية ، وتتوخى أهدافا معرفية مقبولة لإدراك ذلك التشارك القائم بين الفصحى والدارجة .

ثالثها أنها تقينا من الاصطدام السلبي والتعسفي ما بين الفصحى والدارجة المغربية ، وتُغلِق الباب في وجه كل الدعوات المناهضة للغتنا الفصحى بسبب الجهل والضعف ، أو العداء خدمة لأغراض أصحاب النيات المبيتة اتجاه لغة القرآن الكريم .

رابعها أنها تفتح باب النقاش في موضوع اللغة بعلم ودراية ، وتقوم على تجاوز العوائق ، وإغناء الرصيد اللغوي والثقافي للمغاربة .

خامسها أنها تسعى للمحافظة على إرث الأجداد الفني والفكري ، يوم كان التجاور بين الفصحى والدارجة قائما على التكامل والتفاعل ، وفق ضوابط معرفية ومنهجية ، تضيف وتغني ، وتميز بين الممارسات السليمة والمقبولة ، وبين الممارسات الهجينة والمرفوضة .

وعليه فكل محاولة فكرية في المنحى الفكري المذكور ، تقوم على قواعد العلم ، وليس فيها خدوش من قبيل الجهل باللغة الفصحى ، أو النقص من قيمتها وقِيَمِها الواضحة ، وإضمار العداء لها لضعف معرفي ، أو من أجل نصرة تيارات وافدة وهدامة ، ومتناقضة مع أسس الهُوية بسبب التعصب والانبهار الزائف ، أو الوقوع في براثين صَيَحَات العصر المُغرِضة…… يجب أن تُقبل ويُرَحَّبُ بها ، ويُفسَح لها مجال الاشتغال للأسباب المذكورة أعلاه ، ولقصد جديد يتمثل في التعامل ما هو قائم في الثقافة المغربية من تجاور لغوي منسجم ومتكامل ومتفاعل كما قلت آنفا .

وسأرجع بلمسة خفيفة إلى مقالي السابق ( الفصحى والعامية في تراث الملحون المغربي : تجاور وتكامل أم اصطدام وتنافر ) وسأعمل على تحوير ما يمكن تحويره مما يتناسب مع طبيعة وأهداف هذا المقال الجديد على صعيد الربط والتسلسل ، وتسهيل المطلوب ، وتقريب المرغوب من القارئ على نحو يستفاد من العناوين التالية :

1 – إن الإشكالية المطروحة حول  علاقة الفصحى بالعامية برزت في سياق ماضوي شابته هفوات علمية عديدة ، وبُنِي على توجسات ذاتية ، وعلى فرضيات متخيلة ، يكذبها التجاور الحميمي الملاحظ بين الدارجة والفصحى على مدى سنوات طوال ، كما تتعارض تلك التوجسات مع حقيقة مجموعة من المشتغلين من أهل الفكر والإبداع الذين كانوا فقهاء وعلماء ، ومن ذوي الثقافة الفصيحة الرصينة ، واستطاعوا الإبداع بالمنحيين معا .

2 – للأسف إشكالية الاصطدام بين اللغة الفصحى والعامية في الإبداع عموما غَدَّتها مجموعة من الأفعال المتشنجة ، وذلك التقابل السلبي الذي نشأ فجأة بين اللغة العربية ، وبين التعبيرات الدارجة ، وهذا الوضع ساهم في تضخم  ظاهرة الاصطدام ، ولم يستطع أن يساعد في حلحلة الوضع ، والعمل على حدوث انفراج قائم ، ومخرج دائم يقوم على أسس علمية متوفرة بغزارة ، تعزز العلاقات الكثيرة التي يمكن أن تجمع ما بين الفصيح والعامي على مستويات عديدة وفي مقدمتها العمل الفكري الإبداعي .

3 – المروجون لمسألة الاصطدام بين الفصحى والعامية يسقطون في خطأ علمي ، وعلى واجهتين مختلفتين : الوجهة الأولى هي إسقاط ما وقع للغة اللاتينية مع اللغات الأروبية التي تفرعت عنها ، وهو قياس باطل كما يقول الأصوليون ، لأن الانفصال بين اللغة اللاتينية واللغات الأروبية قد وقع على كافة المستويات ، وتحكمت فيه عوامل التحرر من قيود اللغة الأم بدوافع فكرية ودينية ولغوية ، وبغايات الاستقلال وإنشاء لغات جديدة ، ومثل هذا لم يحدث في العلاقة التي تجمع عاميتنا باللغة الفصحى ، فلا زالت الروابط قائمة كما كانت ، ولا زالت المفاهيم والمدلولات اللغوية متبادلة ويالمعاني والجذور التي تتحكم فيها ، ونستطيع أن نتبين ذلك عبر المفاهيم الفكرية والفنية لكل تعبير ، ولكل كلمة في الإبداعات المغربية الشعبية ، فليس هناك انفصال أو اصطدام وإنما توسعة وتداخل وتكامل وتأكيد على الأبعاد التي توحد وتجمع بينهما ، وسأدلي للقارئ بما يثبت ذلك حين سنتعامل مع الكتابين المذكورين أعلاه .

4 – أستطيع أن أستنتج هنا استنتاجا عريضا مفاده أن مسألة ضعف أو قوة اللغة الفصحى ليست نتيجة حتمية للمزاحمة والاصطدام المزعوم ، إنما هي من آثار الأطوار التي تمر على اللغة داخل المجتمع ، وكذلك العوامل الناشئة من الاهتمام والرغبة ومستوى التعليم وغيرها ، وقد مرت اللغة العربية الفصحى بمستويات متفاوتة في القوة والضعف وهي تتجاور مع الدارجة طيلة قرون عديدة ومتتالية ، ولم يكن للعامية دخلٌ ، أو تأثير في ذلك بقدر ما كان لبعض العوامل المذكورة وشبيهاتها المتعددة ، بالإضافة إلى أن الإنسان المغربي لم يكن يوما على مستوى واحد من ناحية إتقان اللغة الفصحى ، فقد كان التعليم فئويا ، والمتعلمون قلائل ، فكيف نَحرِم فئة عريضة لا تحسن إلا اللغة العامية ، ولها مواهب إبداعية كبرى ، وإبداعها في النهاية لن يخلق اصطداما أو تجافيا مع اللغة الفصحى ؟! .

ما قلناه آنفا سيقودنا إلى نتيجة محمودة تتمثل في كون الإبداع باللغة العامية كانت له أيادي بيضاء على مسارات الإبداع المختلفة ، واستطاع أن يحافظ على تناسق المجتمع المغربي ، ومكنه من آليات تغني وتضيف ، وتزكي التنوع الإبداعي الثنائي بين اللغة الفصحى واللغة العامية ، وساهم في بلورة تلك التباينات المجالية والفكرية واللغوية ، فلو اكتفينا بالإبداع باللغة الفصحى لوقع التشابه ، وأصابنا الملل مما مس تلك اللغة من ضعف إبداعي عبر مشوارها الزمني ، ولضاعت منا فرص كثيرة يشهد عليها المنجز في الإبداع العامي ، ولضيقنا واسعا ، أنعم  الله به علينا ، ولضاع منا تراث عظيم ، كان له الأثر الجميل في رَصِّ الصفوف ، وإغناءِ المشهد الإبداعي ، وتكاملِ وظائف اللسان المغربي الجامع ما بين الفصحى والدارجة .

وبالمثال يتضح المقال ، ويكشف عن وجوه الاستدلال على وظائف اللسان المغربي المتداخلة والمتكاملة والجامعة ما بين الفصحى والدارجة وذلك بواسطة سياقين إبداعيين كبيرين :

السياق الأول هو سياق يعتمد على إبراز الملح المعجمي الجامع لتفاصيل أمثلة التلاقي في الدارجةالمغربية ، ويمثله كتاب محمد بوسلام : ( معجم الدارجة المغربية – الجذور والاختلافات الجهوية ) وبالرغم من طغيان قواعد البحث المعجمي عليه إلا أن الكتاب غني بإشارات ومضامين علمية وفكرية وثقافية وإبداعية مغربية قحة وأصيلة ، يحتاج إليها كل مغربي ، بل كل مثقف متهمم بمناحي الإبداع المغربي والعربي بصفة عامة .

( يتبع )

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock