خطارات الجرف تُبعث من رماد الجفاف، و الواحة ترتوي بعد طول ظمأ… فهل ترتوي معها ضمائرنا؟

محمد طه زنوحي / مكتب الرشيدية
بعد سنوات من الجفاف والتهميش، عادت الحياة صباح اليوم إلى شرايين واحة الجرف بإقليم الرشيدية، عبر تدفق المياه في عدد من الخطارات التقليدية، وعلى رأسها “خطارتي الحلوى والعيساوية”، وسط مؤشرات واعدة بخروج خطارة المباركية من صمتها، بعد ظهور طينها المبلل الذي طالما انتظره الفلاحون والمحبون للواحة على حدّ سواء.
إنها بشرى مائية طال انتظارها، لكنها لا يمكن أن تكون سوى بداية لمسار شاق يحتاج إلى تعبئة جماعية وغيرة صادقة على الأرض والموروث. فعودة المياه إلى بعض الخطارات لا تعني أن الواحة بخير، بل هي نداء من الطبيعة لكل الغيورين: “آن الأوان لنستيقظ قبل فوات الأوان.”
أكد عدد من الفلاحين الذين واكبوا هذه العودة المائية رفقة نشطاء محليين، أن الأمر يتطلب تدخلاً عاجلاً لتنقية الخطارات وإعادة إحيائها بشكل عملي ومستدام. كما شددوا على ضرورة تسريع الترافع لبناء سد بوفرزيز وسدود تلية أخرى لتجميع مياه الأودية القادمة من الجبال الجنوبية الغربية، في خطوة ضرورية لإنقاذ الفرشة المائية من الاستنزاف وضمان استمرارية الفلاحة التقليدية التي تُعد العمود الفقري لحياة الناس في المنطقة.
ويؤكد المتتبعون أن بقاء الوضع على ما هو عليه، دون رؤية جماعية واضحة، سيعيد الواحة إلى نقطة الصفر، وقد يُحوّل هذه الفرصة التاريخية إلى مجرد ذكرى عابرة في ذاكرة المتفرجين.
المسؤولية جماعية… ولا عذر لأحد
أبناء الجرف في الداخل والخارج، في الإدارات والجامعات، في القرى والمدن، كلهم اليوم مدعوون للتحرك. الماء لم يعد مجرد حاجة فلاحية، بل قضية وجود وهوية. ومن لم يتحرك اليوم، وهو يرى الماء يعود بعد غياب، فمتى سيتحرك؟
في هذا السياق كتب الأستاذ عماري عبد الخالق ، الباحث في التاريخ المحلي للمنطقة، في تدوينة على حسابه بفيسبوك:
” الجرف في امس الحاجة لكل رجالاته في مختلف الادارات العمومية لكل مناضليه لكل الغيورين على جرف الضل جرف جنان النبي.. حي على العمل.. لا عذر لاحد بعد اليوم… الانطلاقة صعبة لكنها ضرورية لتستمر الحياة بالواحة ”
عودة المياه هي نتيجة لصمود الأرض، ولمثابرة الطبيعة رغم الجراح. وإذا كان في الجرف ماء اليوم، فذلك بفضل رحمة الله أولاً، وبفضل من حافظ على قنوات الخطارات من الاندثار، رغم قساوة الظروف وتجاهل السياسات العمومية.
واليوم، الكرة في ملعب الجميع: المسؤول، المنتخب، الفلاح، المثقف، الشاب، الشيخ… الجرف لا يحتمل مزيداً من الانتظار.
واحة الجرف أكثر من مجرد أرض، إنها تاريخ وهوية، وكرامة ناس. وماء الخطارات كنز يُنعش الذاكرة ويوقظ الضمير. إنها فرصة للقطع مع زمن الفردانية و الإهمال، وبداية لمسار جديد تُبنى فيه المبادرات على الفعل لا على الترقب. واحة الجرف تحتاج إلى رجال ونساء يضعون أيديهم في ترابها، ويصنعون الفرق حيث يكون الصمت قاتلًا. التاريخ يُكتب حين يتحرك الضمير، وهذه الأرض لا تنسى من يخلص لها.
فهل نترك هذه اللحظة تمرّ كسابقاتها؟ أم نمسك بها ونحولها إلى بداية حقيقية لاستعادة الكرامة المائية للجرف؟
الجواب بيدنا جميعاً.



