الفنان الأصيل نعمان لحلو ينعي غزلان …بائعة الفخار رحمها الله ضحية فيضان اسفي

في إحدى أزقة مدينة آسفي القريبة من واديٍ الشعبة الذي اعتاد سكان آسفي أن يخافوا صمته أكثر من جريانه، كانت تعيش غزلان… امرأة بسيطة، ملامحها تشبه لون الطين الذي كانت تعجنه كل صباح.
غزلان لم يكن مستواها التعليمي عال ، لكن يديها كانتا تحفظان دروس الحياة جيدًا. كانت تصنع الفخار ببطء وصبر، كما لو أنها تعيد تشكيل نفسها في كل إناء. جرار ماء، أوانٍ صغيرة، وصحون تحمل آثار أصابعها، كأنها توقيع لا تملكه إلا هي.
كانت تقول دائمًا:
« الفخار يشبه الإنسان… إذا استعجلته وهو طريّ. انكسر ».
تخرج قبل شروق الشمس، تجلس في محلها بزاوية السوق الشعبي. لم تكن ترفع صوتها للنداء، كانت تبتسم فقط. والناس، حين يرون ابتسامتها، يقفون دون أن يعرفوا السبب.
يوم الأحد وليلة الإثنين تغيّر كل شيء.
السماء لم تكن كعادتها. الغيوم ثقلت، والهواء صار خانقًا. قالوا إن أمطارًا قوية قادمة، لكن غزلان خرجت كعادتها. كانت تحتاج إلى قوت يومها كعادتها
عند المساء، بدأ المطر…
ثم اشتد…
ثم تحول إلى فيضان.
الوادي الذي صمت طويلًا، قرر أن يتكلم دفعة واحدة.
حاول الناس الهرب، حاولوا إنقاذ ما يستطيعون. غزلان ركضت، لكن لم تستطع، وتناثرت الأواني، تحطّم الفخار الذي صنعته بيديها، كأن سنوات التعب تتكسر أمام عينيها.
عادت خطوة واحدة… فقط خطوة…
ربما لتُنقذ جرة،
أو ربما لأنها لم تعرف كيف تترك تعبها خلفها.
جرفها الماء.
في الصباح، حين انحسر الفيضان، وجدوا بقايا فخار مكسور على ضفة الوادي…
وعلى بعد أمتار، وجدوا غزلان التي لفضها البحر.
هادئة، كأنها نائمة، ويداها مغطاتان بالطين.
لم تذكرها الأخبار الرسمية ، لم تظهر صورتها في نشرات الطقس، لكن مدينة اسفي تغيّرت بعدها.
الزاوية التي كانت تجلس فيها بقيت فارغة، والناس صاروا يمرون منها بصمت.
اليوم، كلما رأى أهل آسفي جرة فخار متقنة، يقول بعضهم:
«هذا يشبه فخار غزلان… كان فيه روح».
غزلان رحلت،
لكن الطين الذي شكّلته،
ما زال يروي حكاية امرأة
عاشت فقيرة…
وماتت بصمت…
وتركت أثرًا لا يمحوه الماء وشاهدة على هشاشة البنية التحتية والفساد الذي ينخر مدننا
وداعا غزلان
بائعة الفخٌار
“وداعا” هكذا يرثيها الفنان نعمان لحلو
ّ يوم 8 فبراير الماضي ، كنت بآسفي ، وذهبت لباب الشعبة، والتقيت ” غزلان ”
اشتريت منها انا وأصدقائي بعض الفخاٌر…
ودٌعتنا بابتسامة وشكر….
واليوم ودٌعننا الوداع الأخير .
رحمة الله عليك، وعلى من قضى في هذا المصاب الأليم”



