مجتمع

مهنة الصحافة… من مدرسة للتكوين الى حانوت ( دكان) بلا دفة بلا ساروت

المصطفى الوداي /مراكش

 

تعد الصحافة الى جانب السلط التشريعية والتنفيذية، والقضائية، سلطة رابعة تضطلع بأدوار أساسية داخل المجتمع، تتمثل في مراقبة تدبير الشأن العام، وكشف إختلالات التسيير ، وفضح الفساد و الشطط في السطة، وتتبع السياسات العمومية، الى جانب تنوير الرأي العام وتوعية المواطنين،

 

وإذا كانت السلط الأخرى تعتمد في أداء مهامها على كفاءات وخبرات متخصصة تخرجت من الجامعات والمعاهد العليا ومؤسسات التكوين الرسمي، فإن الصحافة بدورها ظلت لسنوات طويلة، مجالا قائما على التكوين الأكاديمي، والخبرة المهنية، فقد كان الولوج الى المهنة يمر عبر مدارس ومعاهد الإعلام، حيث يتلقى الصحافي تكوينا يؤهله لممارسة المهنة وفق أخلاقياتها وضوابطها،

 

وفي تلك المرحلة كانت المؤسسات الإعلامية بمثابة مدارس حقيقية لصقل المواهب، وتكوين الأجيال الجديدة من الصحافيين، إذ كان المبتدئ يتدرج داخل الجريدة أو الإذاعة أو القناة التلفزية، مستفيدا من خبرة المهنيين ومن قواعد التحرير والتحقيق والتدقيق، قبل أن يصبح صحفيا متمرسا،

 

غير أن تحرير قطاع الإعلام وفتح الباب أمام المبادرات الخاصة، رغم ما حمله من إيجابيات مرتبطة بتعدد المنابر وتوسيع هامش التعبير، أفرز بالمقابل وضعا مقلقا فقد تكاثرت المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية بشكل غير مسبوق وأصبح المشهد الإعلامي يعج بمنابر متشابهة في الشكل والمضمون ، تختلف فقط في أسماء أصحابها أو مقدميها،

 

ومع مرور الوقت انحرفت نسبة كبيرة من هذه المنابر عن رسالتها الأصلية، وانتقلت من مجال المعرفة والتثقيف الى البحث عن الإثارة والربح السريع عبر الإعلانات الإلكترونية ” والأدسنس” ، وأصبح الهم الأول لدى البعض هو تحقيق أكبر عدد من المشاهدات والمتابعات، ولو على حساب المهنية والمصداقية واحترام أخلاقيات المهنة،

 

الأخطر من ذلك أن عددا من المتطفلين على القطاع وجدوا الطريق مفتوحا أمامهم لاقتحام ميدان الصحافة دون تكوين ولا تأهيل، بل أن بعضهم لا يتوفر حتى على الحد الأدنى من الثقافة والمعرفة اللازمة لممارسة هذه المهنة، وهكذا فتح الباب أمام الحرفين والعاطلين وأصحاب السوابق (في الإبتزاز والنصب ) في مجالات بعيدة كل البعد عن الإعلام ليحملوا صفة ” صحافي” فقط لأنهم يتوفرون على هاتف نقال و ” بونيط” وأكثر، والإعتماد على نقل كل الأنشطة كيفما كان نوعها على المباشر ولو امتدت لساعات طوال،

 

و بذلك تحولت الصحافة في نظر كثيرين من مدرسة التكوين والتأطير الى “حانوت” أو ” دكان” مفتوح أمام الجميع بلا بوصلة و لاضوابط ( حانوت بلا دفة وبلا سروت) ، وأصبح معيار الولوج الى هذا المجال، امتلاك هاتف ذكي، مهما كان بسيطا، والظهور في نقل مباشر لأي نشاط أو حادث أو تجمع، دون احترام لقواعد التحقق أو الموضوعية أو اخلاقيات النشر،

 

ولم يقتصر الأمر على تشويه صورة المهنة، بل امتد الى الإضرار بثقة المواطن في الصحافة، وفي رجال الإعلام الحقيقيين، اللذين يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة فوضى عارمة تضعهم في كفة واحدة مع من لاعلاقة له بالمهنة،

 

إن ما يعيشه قطاع الصحافة اليوم يفرض ضرورة الإسراع بإعادة هيكلته على أسس متينة، تضمن استقلاليته وتحصينه من العبث والفوضى، كما يقتضي الأمر إعادة النظر في مشاريع القوانين المنظمة للقطاع، خاصة بعد الجدل الذي رافق مشروع القانون الذي تقدم به وزير الشباب والثقافة والتواصل المهدي بنسعيد ، والذي أثار نقاشا واسعا وتم رفض بعض مقتضياته من طرف المحكمة الدستورية،

 

و يظل من الضروري أيضا وضع قانون يحدد شروطا موضوعية وشفافة لولوج مهنة الصحافة، تقوم على التكوين والكفاءة والإلتزام بأخلاقيات المهنة، دون إقصاء المراسلين والمتعاونين اللذين يتوفرون على تكوين جامعي أو شهادات عليا، حتى وإن لم يكونوا منخرطين في صندوق الضمان الإجتماعي، لأنهم منخرطين في صناديق تقاعد أخرى،

 

كما ينبغي إعادة النظر في طريقة دعم المقاولات الصحفية، حتى لا يستفيد من المال العام إلا من يحترم شروط المهنية ويؤدي دورا إعلاميا حقيقيا، بدل أن يتحول الدعم الى وسيلة لتغذية مواقع ومنابر لا هم لها سوى الإثارة والإبتزاز،

 

ما وقع بمدينة مراكش في الأونة الأخيرة ، حين ألتحق أحد الأشخاص اللذين أثاروا جدلا واسعا ، بسبب ممارسات غير مسؤولة بطابور أشباه الصحافة بعد حصوله على اعتماد و ” بونيط” من طرف موقع إعلامي ، يجهل أبسط مبادئ العمل الصحفي ،ليس سوى نموذحا صارخا، لحجم الإنفلات، الذي أصبح يهدد صورة الصحافة المغربية ومستقبلها،

 

إن تنظيم قطاع الصحافة لم يعد ترفا أو مطلبا مؤجلا، بل أصبح ضرورة ملحة لحماية المهنة، وصون مكانة الصحافي الحقيقي، وإعادة الإعتبار للصحافة، السلطة الرابعة، لا ك ” دكان” امام من يسترزق ويبحث عن الشهرة بتبني واحتضان التفاهة، عوض الإعتماد على المواضيع الجادة وتنوير الرأي العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock