مدينة جرادة الموت يواصل حصد أرواح الباحثين عن “الرغيف الأسود”

مكتب وجدة/محمد أوفطومة
عرفت مدينة جرادة المنجمية سابقاً، مصرع الشاب خالد دعيوي داخل آبار الفحم الحجري (الساندرية), الذي يعيد جرح المدينة المفتوح.
لم يكن الشاب خالد دعيوي يبحث عن مغامرة خارقة، بل كان يبحث فقط عن لقمة عيش في مدينة دفعت بالكثير من شبابها نحو باطن الأرض، حيث يتحول الفحم الحجري إلى قدر أسود، و تتحول الحياة إلى مغامرة يومية مع الجحيم.
حادث وفاة خالد داخل آبار الفحم الحجري (الساندرية) أعاد إلى الواجهة من جديد المأساة الصامتة التي تعيشها مدينة جرادة، المدينة التي أُغلقت فيها المناجم رسميًا، لكن أبواب الموت ما تزال مفتوحة على مصراعيها أمام شباب أنهكهم الفقر و البطالة و التهميش.
هناك، في الآبار العشوائية، لا وجود لشروط السلامة، ولا لحقوق تحمي العمال من النهاية المأساوية. فقط أجساد تنزل كل يوم إلى أعماق الأرض، على أمل أن تعود ببضعة دراهم تُؤجل الجوع ليوم آخر.
وفاة خالد ليست حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الأرواح التي إبتلعها “الرغيف الأسود”، وسط تساؤلات تتكرر كل مرة : إلى متى سيظل شباب جرادة يُدفنون أحياء داخل آبار الفحم ؟ و إلى متى سيبقى البحث عن العمل مرادفًا للموت في هذه المدينة المنسية ؟
المشهد أصبح مألوفًا بشكل مرعب؛ صافرات الحزن، جنازات متتالية، و أمهات يودعن أبناءهن بقلوب مكسورة، فيما تستمر المعاناة في صمت ثقيل. فحين يغيب البديل الحقيقي، و يختنق الأمل، يصبح النزول إلى الآبار خيارًا قاسيًا يفرضه الواقع، لا الرغبة.
هناك، تحت الأرض، لا قوانين تحمي الأرواح، فقط ظلام دامس و أجساد تُدفن بصمت من أجل حفنة فحم لا تسمن و لا تغني من جوع.
مدينة جرادة اليوم ليست فقط مدينة منكوبة إقتصاديًا، بل مدينة تُنتج المآسي يوميًا. شبابها يُدفعون ثمنا نحو الموت بسبب واقع إجتماعي خانق، حيث أصبح النزول إلى “الساندريات” أشبه بتوقيع مسبق على إحتمال عدم العودة. و مع كل جنازة، تتكرر نفس عبارات الحزن، بينما يبقى السؤال الحقيقي معلقًا بلا جواب : من المسؤول عن إستمرار هذا النزيف البشري ؟
رحم الله الفقيد خالد دعيوي رحمة واسعة، و ألهم أسرته و ذويه الصبر و السلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



