بهيجة فصيل… مسيرة رياضية استثنائية تُتوَّج بتكريم مستحق من قافلة الخير

هند جوهري
في زمنٍ قلّ فيه من يجمع بين العطاء الرياضي والإنساني، تبرز بهيجة فصيل كأحد الوجوه النسائية التي كتبت إسمها بحروف من فخر في سجل الرياضة الوطنية.
مسيرة طويلة بدأت من ميادين كرة اليد، مرورًا بالتأطير والتدريب والتحكيم، وصولًا إلى المحافل الدولية، صنعت منها نموذجًا للمرأة الرياضية التي لا تكتفي بالإنجاز، بل تجعل من الإنجاز رسالة ومسؤولية.

فقد أمضت بهيجة فصيل عشر سنوات في كرة اليد، شاركت خلالها في البطولات المدرسية ببوزنيقة، حيث كانت دائمًا في صدارة المنافسة، محتلة المرتبة الأولى في صفوف الذكور والإناث على حد سواء، في دلالة واضحة على قوة الحضور، وصلابة الشخصية، والروح التنافسية التي ميزتها منذ البدايات، ولم يكن ذلك سوى الإنطلاقة الأولى لمسار أكبر وأكثر اتساعًا.
ومع توالي السنوات، انتقلت إلى التأطير الرياضي في رياضة البادمنتون على الصعيد الوطني، قبل أن تخوض تجربة أكثر عمقًا في مجال الأولمبياد الخاص، حيث شاركت في البطولة العالمية بالإمارات سنة 2019، ثم في البطولة العالمية الصيفية بألمانيا سنة 2023، لتؤكد من جديد أن الكفاءة المغربية قادرة على الحضور في أكبر التظاهرات الدولية بأعلى درجات الجدارة والاحتراف.

كذلك حملت بهيجة فصيل مسؤولية تدريب المنتخب الوطني لكرة اليد للحارسات، بعد أن كانت نفسها حارسة للمنتخب الوطني لمدة عشر سنوات، وهو ما جعل مسيرتها فريدة من نوعها، لأنها جمعت بين التجربة داخل الميدان والخبرة في صناعة الأجيال القادمة، ولم تكتفِ بذلك، بل أشرفت أيضًا على تدريب فريق الكوكب المراكشي لكرة اليد، أحد الأسماء العريقة في الساحة الرياضية الوطنية، ما يعكس الثقة التي حظيت بها وقدرتها على الإضافة في مختلف المواقع.
وفي موازاة ذلك، راكمت تجربة تحكيمية مهمة بوصفها حكمة قارية في رياضة البادمنتون، وهو منصب لا يصل إليه إلا من جمع بين المعرفة التقنية والإنضباط والحياد والدقة.

هذه المحطات المتعددة لا تعكس فقط تنوع خبرتها، بل تكشف شخصية رياضية متعددة الأبعاد، استطاعت أن تجمع بين الأداء، والتأطير، والتدريب، والتحكيم، في مسار واحد متكامل ومشرّف.
لكن ما يجعل قصة بهيجة فصيل أكثر إشراقًا هو بعدها الإنساني العميق، فهي لم تكن يومًا بعيدة عن الفئات التي تحتاج إلى الدعم والتشجيع، بل كان لها حضور مؤثر في العمل مع فتيات وفتيان مركز حماية الطفولة، ومع أطفال المدارس الرياضية، حيث وجدت فيهم مصدرًا متجددًا للطاقة والوفاء والدعاء الصادق، لقد كانت تؤمن دائمًا بأن الرياضة ليست فقط تدريبًا على الفوز، بل مدرسة لبناء الإنسان، وغرس قيم الاحترام والانضباط والثقة بالنفس.

ولعلّ سرّ هذا التألق، كما يردده من يعرفون مسيرتها، يكمن في إخلاصها لعملها، وفي رضا والديها، وفي دعوات الأطفال الذين احتضنتهم وساندتهم، وفي إيمانها بأن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بالميداليات والشهادات، بل بالأثر الذي يتركه الإنسان في نفوس الآخرين.
فجاء تكريم قافلة الخير لها ليكون وقفة اعتراف جميلة بمسار طويل من العطاء، وتقديرًا لامرأة أعطت الكثير للرياضة الوطنية في صمت وتواضع وإخلاص، فالإحتفاء بها ليس فقط تكريمًا لمسيرتها الشخصية، بل هو أيضًا احتفاء بقيم الإلتزام والوفاء والتضحية، وبالنساء المغربيات اللواتي يواصلن الحضور بقوة في مختلف المجالات الرياضية.
إن بهيجة فصيل ليست مجرد إسم في سجل الرياضة، بل هي قصة نجاح ملهمة، عنوانها الإصرار، وعمادها العمل، وروحها الإنسان. ومن الملاعب إلى المنتخبات، ومن التدريب إلى التحكيم، ومن العمل التربوي إلى التكريم المستحق، تبقى مسيرتها مثالًا جميلًا على أن المجد الحقيقي يُصنع بالصبر، ويُحفظ بالعطاء، ويُتوَّج بالإعتراف.



