أخبارحوادثمجتمع

عندما تذبل الحياة في صمت.. سنتان من العزلة تنهي حكاية عسكري متقاعد بمراكش

هيئة التحرير

​بين جدران شقة صامتة في إحدى العمارات السكنية المحاذية لمنطقة المنارة والقريبة من القاعدة الجوية بمراكش، كانت هناك حياة تنطفئ ببطء شديد دون أن يشعر بها أحد. لم يكن رحيل ذلك العسكري المتقاعد مجرد خبر عابر لوفاة طبيعية، بل كان مرآة لواقع إنساني مؤلم يسائل قيم التواصل والترابط في عصرنا الحالي؛ حيث عُثر على رفات الرجل داخل مسكنه بالعمارة بعد نحو سنتين من الغياب الصامت الذي لم يثر انتباه أحد من جيرانه أو محيطه.

​تبدأ فصول هذه القصة الحزينة من تفاصيل حياة رجل أمضى سنوات عمره في الخدمة العسكرية، لينتهي به المطاف وحيداً داخل عمارة قديمة بمنطقة عين مزوار. فبعد انفصاله عن زوجته، اختار الراحل أن يلوذ بالصمت والانعزال، متخذاً من شقته درعاً يمتنع خلفه عن استقبال الزوار أو التواصل مع المحيط الخارجي.

ويبدو أن هذا الانكفاء الذاتي كان بمثابة رسالة غير مكتوبة للجميع بالابتعاد، وهي الرسالة التي طُبقت بحذافيرها وبقسوة بالغة، حتى من أقرب الناس إليه؛ فابنته الوحيدة التي تقطن في حي “مبروكة” على بُعد كيلومترات معدودة، لم تطرق باب شقته طيلة هذه المدة، لتظل المسافة الجغرافية القصيرة عائقاً وجدانياً كبيراً حال دون تفقد أحوال أب مكلوم.

​إن العثور على جثمان الراحل متحولاً إلى هيكل عظمي داخل شقته وسط عمارة سكنية يقطنها الكثيرون، لم يكن صدمة للجيران وسكان المنطقة فحسب، بل كان وخزة ضمير جماعية حركت مشاعر الحزن والأسى في قلوب الجميع. كيف يمكن لإنسان أن يغيب عن الأنظار لعامين كاملين داخل عمارة مأهولة دون أن يتساءل أحد عن سر هذا الاختفاء؟ وكيف تحولت البيوت التي كانت يوماً رمزاً للأمان إلى سجون اختيارية ينقطع فيها حبل الوصل مع العالم؟
​تتجاوز هذه الفاجعة الإنسانية حدود الواقعة المحلية لتفتح نقاشاً عميقاً حول داء العزلة الاجتماعية الذي يزحف نحو مجتمعاتنا، وتراجع قيم صلة الرحم والتضامن الجاري الذي ميز الحومة المغربية لقرون.

إنها دعوة صامتة يطلقها رحيل هذا العسكري المتقاعد من وراء باب شقته المغلق، لكي ننظر حولنا، لنتفقد جيراننا في العمارات والمجمعات السكنية، ونسأل عن أولئك الذين يعيشون بمفردهم خلف الأبواب المغلقة، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي الإنسانية التي يقتل فيها الإهمال والصمت قبل أن يقضي الموت قضاءه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock