مقالات واراء

أصداء الأندلس….لماذا يجد المغاربة في إسبانيا وطنًا ثانيًا يتردد فيه صوت الأذان؟

هند جوهري

بين أزقة “حي البيازين” العتيق في غرناطة، وعلى مرأى من قصر الحمراء الشامخ، ينساب صوت الأذان ليعانق عنان السماء، هذا الصوت الذي غاب قرونًا طويلة بعد سقوط الأندلس عام 1492م، يعود اليوم ليصنع قصة تعايش فريدة في إسبانيا الحديثة.

فبالنسبة للملايين من المسلمين، وخاصة المغاربة الذين يمثلون الجالية الأكبر هناك، ليست إسبانيا مجرد بلد أوروبي للعمل أو الدراسة؛ بل هي امتداد روحي وتاريخي وثقافي يجعلهم يفضلونها على الكثير من بلدان العالم الأخرى.

فبعد قرون من الصمت الصارم الذي تلى خروج المسلمين من شبه الجزيرة الإيبيرية، بدأت ملامح العودة التدريجية لحرية العبادة مع إقرار الدستور الإسباني لسنة 1978، والذي ضمن الحريات الدينية.

فكانت المحطة الأبرز هي سنة (1992): *توقيع”اتفاقية التعاون بين الدولة الإسبانية والمفوضية الإسلامية”، والتي منحت المسلمين حقوقًا رسمية تشمل *تشييد المساجد *وممارسة الشعائر.

وتختلف القوانين من بلدية إلى أخرى بناءً على تنظيمات الضوضاء المحلية، تمامًا كما هو الحال مع أجراس الكنائس، لكن في مدن مثل مليلية وسبتة، يرتفع الأذان عبر مكبرات الصوت بشكل يومي وطبيعي، وفي مدن أخرى مثل غرناطة (مسجد غرناطة الكبير)، قرطبة، ومدريد، يُسمع الأذان داخل المساجد وأحياناً يُسمح برهانه في الفضاءات العامة خلال المناسبات الدينية الكبرى كشهر رمضان والأعياد، مما يخلق أجواءً روحانية تماثل تلك الموجودة في بلدانهم الأصيلة.

وعندما يفكر المهاجر المغربي في الوجهة، تبرز إسبانيا كخيار أول ومفضل مقارنة بدول أوروبية أخرى (مثل فرنسا أو بلجيكا) أو قارات أخرى لعدة أسباب جوهرية:

*القرب الجغرافي والروحي حيث يفصل بين المغرب وإسبانيا مضيق جبل طارق بمسافة لا تتعدى 14 كيلومترًا، هذا القرب ليس جغرافياً فحسب، بل هو قرب نفسي؛ فالأذان يُسمع، والمساجد تفتح أبوابها، والمراكز الإسلامية تنشط بحرية في إطار القانون الإسباني الذي يحترم التعددية الثقافية.

*بالإضافة إلى ذلك، فإن نمط الحياة المتوسطي، وتشابه العادات الروتينية، والترحيب الإسباني بالثقافة العربية الإسلامية المنصهرة في تاريخهم، يجعل المغربي يشعر بأنه “في بيته” ولم يغادر وطنه بالكامل.

ويتجلى هذا الإرتباط الروحي والواقعي في نماذج حية لمغاربة استقروا في إسبانيا، ورفضوا مغادرتها رغم العروض المغرية في دول أخرى، والسبب دائماً: الراحة النفسية والقدرة على ممارسة دينهم بحرية وفخر.

1. نجوم الرياضة: الاستقرار الروحي قبل المادي
يعد نجوم كرة القدم المغاربة في الدوري الإسباني (La Liga) خير مثال على هذا الارتباط:
ياسين بونو ويوسف النصيري: خلال فترات لعبهما الطويلة في إسبانيا (خاصة في إشبيلية)، صرح النجمان في أكثر من مناسبة بارتياحهما الشديد للعيش هناك. القرب من المغرب، وتوفر المساجد، والقدرة على صيام رمضان وأداء الصلاة في أجواء من الاحترام والتقدير من قِبل الأندية والجماهير الإسبانية، كانت دائماً عوامل حاسمة في تفضيلهما للبقاء في إسبانيا وتفضيل أسلوب الحياة فيها على دوريات أوروبية أخرى.

2. مغاربة المهجر: العمال والمستثمرون
في مدن مثل برشلونة، مورسيا، وأندلسية، يروي الكثير من أفراد الجالية المغربية الذين يشتغلون في قطاعات الفلاحة، الخدمات، أو المقاولات، كيف أن وجود المساجد وسماع الأذان (ولو داخل المراكز الإسلامية في بعض المدن) يمنحهم السكينة.

يقول “أحمد”، وهو مقاول مغربي مستقر في ضواحي مدريد:
“لقد عملت في ألمانيا لسنوات، لكنني لم أشعر بالدفء الروحي إلا هنا في إسبانيا، هنا أستطيع الذهاب للمسجد مع أبنائي، وحين يحل رمضان نشعر ببهجة العيد بفضل التسهيلات والأنشطة التي تنظمها البلديات الإسبانية بالتعاون مع المراكز الإسلامية”.

إن سماح السلطات الإسبانية برفع الأذان وتنظيم الشعائر الإسلامية ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو اعتراف ضمني بأن الإسلام جزء لا يتجزأ من الهوية التاريخية والحاضر الثقافي لإسبانيا،ومن هذا المنطلق، يظل المغاربة يرون في هذا البلد جاراً يحفظ الود، ويصون حرية العبادة، ويمنحهم فرصة العيش كمسلمين معتزين بهويتهم في قلب أوروبا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock