بعد الاعتراف الأوسط: الأقاليم الجنوبية في قلب استراتيجية الطاقة العالمية

إبراهيم أبهوش – صحفي مغربي
حظي القرار الملكي السامي، بتسمية الطريق السريع تيزنيت–الداخلة باسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب باهتمام دولي واسع، خاصة بعد الفرحة الكبيرة التي عبّر عنها الرئيس الأميركي نفسه، وتمنيه أن يقطع هذه الطريق في القريب العاجل حتى الداخلة، لؤلؤة الصحراء المغربية. هذه الخطوة الرمزية ليست مجرد تسمية، بل هي إعلان سياسي ودبلوماسي عن عمق التحالف المغربي الأميركي، وتجسيد لمرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، حيث يتحول الاعتراف إلى معالم مادية شاهدة على التحالف الاستراتيجي.أما زيارة السفير الأميركي ديوك بوكان إلى مدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، فقد جاءت لتؤكد أن الاعتراف الأميركي لم يعد حبيس الخطابات، بل أصبح حضوراً ميدانياً يترجم في مشاريع تنموية كبرى. وقد وقّع السفير على اتفاقية تمويل من الوكالة الأميركية للتنمية والتجارة (USTDA) لدعم مشروع ORNX Morocco للهيدروجين والأمونيا، باعتباره أول تمويل فيدرالي أميركي يُوجَّه إلى مشروع في الصحراء، وهو ما يمثل منعطفاً نوعياً ويعكس إرادة واشنطن في الاستثمار المباشر داخل الأقاليم الجنوبية.وتحمل هذه الشراكة انعكاسات إيجابية واسعة على الاقتصاد والتنمية بالصحراء المغربية؛ فهي تفتح الباب أمام إدماج المنطقة في الاقتصاد العالمي للطاقة النظيفة، وتخلق فرص عمل جديدة، وتدعم البنية التحتية، وتحوّل الداخلة والعيون إلى أقطاب اقتصادية متكاملة. كما أن دخول شركات أميركية كبرى مثل KBR وElectric Hydrogen وTerrabase وGE إلى قلب الصحراء المغربية يعزز جاذبية الاستثمار، ويمنح المنطقة موقعاً محورياً في التحولات الطاقية العالمية.غير أن وقع هذه الشراكة لا يتوقف عند المغرب وحده، بل يمتد إلى الجزائر وصنيعتها البوليساريو. فبينما تتحول الأقاليم الجنوبية إلى فضاء للاستثمار والتنمية، يبقى خطاب الانفصال أسير الماضي ويزداد عزلة أمام المجتمع الدولي. وتجد الجزائر نفسها أمام معادلة صعبة، خاصة مع تقدم مشروع أنبوب الغاز النيجيري–المغربي الذي يربط غرب إفريقيا بالمغرب وصولاً إلى أوروبا. هذا المشروع الاستراتيجي يهدد مكانة الجزائر كمصدر رئيسي للغاز، وهو ما دفع الرئيس عبد المجيد تبون إلى التصريح بحدة حوله، في محاولة للتقليل من شأنه، رغم أنه يحظى بدعم دولي واسع ويعزز موقع المغرب كفاعل محوري في أمن الطاقة الأوروبيغ والإفريقي.وفي خضم هذه التحولات، يقدم المنتظم الدولي فرصة تاريخية للجزائر والبوليساريو للانخراط في حل واقعي يقوم على الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء في إطار الحكم الذاتي. هذا الحل، الذي وصفته القوى الكبرى بالجاد والعملي وذي المصداقية، يفتح الباب أمام إنهاء نزاع دام لعقود، ويمنح سكان المنطقة حقهم في إدارة شؤونهم ضمن السيادة المغربية، مع ضمان التنمية والاستقرار. إن تجاهل هذه الفرصة لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة، بينما اغتنامها قد يشكل بداية جديدة لعلاقات إقليمية أكثر توازناً.ويثبت المغرب، وهو يربط بين الاعتراف السياسي والتنمية الاقتصادية، أن الصحراء ليست موضوع نزاع، بل فضاء للابتكار والاستثمار. ومن هنا، فإن الحكم الذاتي ليس فقط حلاً سياسياً، بل إطاراً عملياً لبناء مستقبل مشترك يضمن الاستقرار والازدهار.إن تسمية الطريق السريع باسم ترامب، وزيارة السفير الأميركي إلى العيون، والتواصل مع أبناء الصحراء المغربية، وتوقيع اتفاقيات استراتيجية في قلبها، إلى جانب مشروع أنبوب الغاز النيجيري–المغربي، كلها حلقات في سلسلة واحدة: بناء تحالف مغربي أميركي–إفريقي متجدد، يقوم على الاعتراف السياسي، الاستثمار الاقتصادي، والدفاع المشترك عن الاستقرار الإقليمي. هذه الدينامية تجعل من الصحراء المغربية فضاءً للتنمية والابتكار، وتضع الجزائر والبوليساريو أمام خيار تاريخي: إما التكيف مع واقع السيادة المغربية المدعوم دولياً في إطار الحكم الذاتي، أو الاستمرار في خطاب متجاوز لا يجد له صدى في العالم، ويقود إلى عزلة متزايدة وخسارة فرصة تاريخية للانخراط في مشروع تنموي وسياسي يضمن الاستقرار والازدهار.



