مقالات واراء

شاطئ “ترامبولين” في سبتة.. حين تموت العدالة على رمال الإنتظار

هند جوهري

​مع دخول إضرابهم عن الطعام أسبوعه الثالث، تحوّل العشرات من طالبي اللجوء المرابطين في أكواخ خشبيّة على شاطئ “ترامبولين” بسبتة المحتلة إلى جسد حيّ يفضح قسوة السياسات الحدودية للحكومة الإسبانية.

ووسط الظروف المناخية القاسية وتدهور أجساد المضربين، تواصل مدريد إغلاق آذانها عن النداءات العاجلة للتدخل الإنساني، تاركةً أكثر من مئة شخص يخوضون معركة “الأمعاء الخاوية” كخيار أخير لنيل حق العبور والتنقل، في تجسيد صارخ لمأساة إنسانية تتجاوز أبعادها حدود الثغر المحتل وتتجسد المأساة في صمود هؤلاء المعتصمين الذين رفعوا لافتات صريحة تلخص رفضهم التام للعودة ومطالبتهم بالحد الأدنى من العيش الآدمي، في مناشدات مباشرة وُجّهت إلى الرئيس الإسباني بيدرو سانشيز والملك فيليبي السادس، دون أن تجد أي صدى يذكر لدى مراكز القرار.

إن هذا التجاهل الممنهج لا يعكس مجرد إخفاق إداري في التعاطي مع ملف الهجرة، بل يؤكد نهجاً تعسفياً يعتمد الإهمال سلاحاً لاستنزاف إرادة المضربين والدفع بهم نحو الاستسلام، مما يحول الشاطئ من حيز جغرافي للجوء إلى مسرح مفتوح لمعاناة إنسانية مكتملة الأركان.

​ حيث تكشف هذه التطورات الميدانية عن عمق الفجوة بين الخطاب السياسي الإسباني المُتغني بالقيم الإنسانية والعدالة الاجتماعية أمام المنتديات الأوروبية، وبين الواقع الميداني المحكوم بالقمع الرمزي والحصار غير المعلن، فبدلاً من فتح قنوات حوار جادة تعاطياً مع الوضع الحرِج، جاءت ردود الفعل الرسمية متأخرة وشكلية، متجسدة في إعلان وزيرة الإدماج عن إقامة مراكز حجز ومساعدات مؤقتة في المنشآت المتهالكة ومواقف السيارات، في محاولة مكشوفة لتجميل الصورة الإعلامية وتطويق الأزمة دون مساس بجوهرها.

​إن هذه السياسات الترقيعية لا تعدو كونها إعادة إنتاج لحالة الإحتجاز القسري تحت غطاء ناعم من المساعدات الإنسانية التي تفتقر لأدنى مقومات الكرامة، وبدلاً من تقديم حلول جذرية تنهي المعاناة وتضمن معالجة قانونية منصفة لطلبات اللجوء، تُصر السلطات على اختزال القضية في إجراءات لوجستية ضيقة، لتظل أرواح المضربين معلقة على حافة الخطر، وتظل السلوكيات الرسمية شاهداً على سقوط شعارات حقوق الإنسان عند أول اختبار حقيقي على الحدود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock