مليار ونصف المليار لتعويضات مغادرة الحكومة حين يصبح الرحيل امتيازا والشعب يدفع الثمن

مكتب أكادير / هشام الزيات
في الوقت الذي يواجه فيه المواطن المغربي موجات متتالية من الغلاء، وضغوطا اجتماعية واقتصادية أنهكت الأسر، وفي الوقت الذي ترفع فيه شعارات التقشف وترشيد النفقات، تطرح أرقام تعويضات مغادرة أعضاء الحكومة سؤالا ثقيلا على الرأي العام: هل أصبحت مغادرة المسؤول للمنصب امتيازا ماليا، بينما يطلب من المواطن أن يتحمل كلفة الأزمات بصبر وتقشف؟
وفق الأرقام المتداولة، يصل التعويض عن مغادرة رئيس الحكومة إلى حوالي 700 ألف درهم، فيما يبلغ تعويض الوزير حوالي 580 ألف درهم، لتتجاوز الكلفة الإجمالية لتعويضات مغادرة أعضاء الحكومة، بحسب هذه المعطيات، مليارا ونصف المليار من السنتيمات/الدرهم وفق طريقة احتساب الأرقام المتداولة .
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد أرقام تسجل في ميزانية الدولة، بل بصورة أعمق عن العدالة الاجتماعية وشعور المواطن بالإنصاف .
ففي الوقت الذي تكافح فيه أسر من أجل توفير حاجياتها الأساسية، ويجد كثير من الشباب أنفسهم أمام بطالة أو فرص محدودة، وتواجه قطاعات اجتماعية حيوية تحديات متزايدة، تبدو مثل هذه التعويضات، في نظر فئات واسعة من المواطنين، وكأنها تنتمي إلى عالم مختلف تماما عن واقعهم اليومي .
المواطن يطلب منه أن يتقشف… والمسؤول يحصل على تعويض عند الرحيل، قد يكون لهذه التعويضات سند قانوني أو تنظيمي، وقد تكون جزءا من منظومة الأجور والامتيازات المرتبطة بالمسؤولية الحكومية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس قانونيا فقط، بل أخلاقي وسياسي واجتماعي: هل تتناسب هذه المبالغ مع الظرفية التي يعيشها المجتمع؟ وهل يشعر المواطن بأن المال العام يصرف وفق أولويات تعكس حاجاته الحقيقية؟
الأشد إيلاما أن تأتي هذه الأرقام في سياق تناقش فيه باستمرار ضرورة التحكم في النفقات العمومية، وترشيد الميزانية، والبحث عن موارد جديدة، بينما تظل قطاعات كالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية في حاجة إلى مزيد من الإمكانيات والاستثمار .
ليس المواطن ضد حصول المسؤول على حقوقه، ولا ضد احترام القانون، لكن المواطن يريد قبل كل شيء أن يرى العدالة في توزيع الأعباء والامتيازات، يريد أن يشعر بأن المسؤول الذي يدعوه إلى الصبر على ارتفاع الأسعار، وإلى تحمل صعوبة المرحلة، وإلى تفهم إجراءات التقشف، يعيش بدوره الإحساس نفسه بثقل الظرفية .
فالسياسة في جوهرها ليست امتيازا، بل مسؤولية وثقة وأمانة، وعندما يصبح الرحيل من المنصب مقرونا بمبالغ مالية ضخمة، بينما يظل المواطن البسيط يصارع من أجل راتب يكفيه إلى نهاية الشهر، فإن المسألة تتجاوز الحسابات المالية لتتحول إلى قضية ثقة في المؤسسات والشعور بالإنصاف .
إن المال العام ليس مجرد أرقام في جداول محاسبية، إنه أموال المواطنين، من ضرائبهم واستهلاكهم وجهدهم اليومي، ولذلك فإن كل درهم يصرف من خزينة الدولة يجب أن يجيب، في نظر الرأي العام، عن سؤال بسيط وواضح: هل كان يمكن أن يصرف في مكان أكثر حاجة؟
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو كم سيحصل المسؤول عند مغادرته المنصب، وإنما: ماذا سيحصل المواطن عندما يغادر منزله صباحا بحثا عن قوت عيشه أو بحثا عن العمل؟ وماذا ستحصل الأسرة عندما تدخل المستشفى؟ وماذا سيحصل التلميذ عندما يبحث عن مدرسة تضمن له مستقبلا أفضل؟
تلك هي الأسئلة التي تستحق أن تكون في قلب النقاش العمومي .
لأن الدولة التي تطلب من شعبها التضحية والصبر، مطالبة قبل كل شيء بأن تجعل المواطن يشعر بأن التضحيات موزعة بعدالة، وأن الامتيازات ليست حكرا على من جلس يوما على كرسي المسؤولية .



