ثقافة وفن

الموصل: حاضرة الحضارات وسلة خيرات الشرق

✍️تمار عامر

 

تقف الموصل على ضفاف دجلة، مدينةً لا يمكن اختصارها في موقع جغرافي أو تاريخ مكتوب في الكتب. فمنذ نينوى القديمة وحتى حاضرها، ظلت الموصل حاضرةً تحمل في تفاصيلها ذاكرة أجيال متعاقبة، وتجمع بين التاريخ والثقافة والفن والحياة اليومية.

تشقّ مياه دجلة المدينة إلى جانبين، ليبقى النهر شاهدًا على حكاياتها وتحولاتها. ولم تكن الموصل عبر تاريخها مجرد محطة على خارطة العراق، بل كانت نقطة اتصال مهمة بين العراق وبلاد الشام والأناضول، وممرًا للتجارة وتبادل الأفكار والثقافات. ومن موقعها هذا اكتسبت أهمية اقتصادية وحضارية جعلتها واحدة من المدن المؤثرة في تاريخ المنطقة.

 

ويعود العمق الحضاري للمنطقة إلى عصور موغلة في القدم، حيث قامت نينوى، عاصمة الإمبراطورية الآشورية، بالقرب من الموصل الحالية. وكانت في أوج ازدهارها واحدة من أعظم مدن العالم القديم. كما شهدت المنطقة حضارات متعاقبة، ومن بينها الإمبراطورية الأكدية التي أسسها سرجون الأكدي، أحد أبرز ملوك بلاد الرافدين.

 

ولم تتوقف أهمية الموصل عند تاريخها القديم، فقد واصلت حضورها عبر العصور، وعُرفت بسهولها الزراعية الخصبة التي جعلتها من أهم مناطق إنتاج الحبوب والمحاصيل في العراق، كما عزز اكتشاف النفط والمشروعات المائية، وفي مقدمتها سد الموصل، من أهميتها الاقتصادية والاستراتيجية.

 

الموصل بين الأيمن والأيسر

يقسم نهر دجلة الموصل إلى جانبين رئيسيين: الجانب الأيمن والجانب الأيسر. ويتميز الجانب الأيمن، الذي يضم المدينة القديمة، بكثافة معالمه التراثية والتاريخية وأسواقه وبيوته القديمة، بينما شهد الجانب الأيسر توسعًا عمرانيًا واضحًا، وضم أحياء ومؤسسات ومراكز تعليمية وخدمية حديثة.

وهذا التقسيم لا يمثل مجرد حدود جغرافية، بل يعكس جانبًا من تطور المدينة؛ فالجانب الأيمن يحتفظ بالكثير من ملامح الموصل القديمة، بينما يمثل الأيسر مساحة واسعة من امتدادها العمراني الحديث.

 

بوابات الموصل.. مداخل المدينة القديمة

ومن المعالم التي تكشف أهمية الموصل التاريخية بواباتها القديمة، التي كانت جزءًا من أسوار المدينة ومداخلها. ومن أشهرها باب الطوب، باب السراي، باب البيض، باب الجديد، باب الجسر، باب لكش وباب العراق.

 

ولم تكن هذه الأبواب مجرد منافذ للدخول والخروج، بل ارتبطت بالطرق والأحياء والأسواق، وأصبحت أسماؤها جزءًا من الذاكرة الشعبية والجغرافية للمدينة.

 

جوامع وكنائس تحكي تاريخ الموصل

تتميز الموصل بكثرة جوامعها التاريخية التي تعكس تطور العمارة الإسلامية فيها. ويأتي جامع النوري ومنارته الحدباء في مقدمة رموز المدينة، إلى جانب جامع النبي يونس، جامع حمو القدو، والجامع الأموي أو المصفي، وغيرها من الجوامع التي تنتشر في أحياء الموصل القديمة.

كما تضم المدينة ومحيطها عددًا من المعالم المسيحية التاريخية، من بينها كنيسة سيدة الساعة ودير مار متي، بما يعكس التنوع الديني والثقافي الذي عرفته المنطقة عبر تاريخها.

 

وتبرز كذلك قلعة باشطابيا المطلة على دجلة، والتي تمثل جانبًا من تاريخ الموصل العسكري والعمراني، إلى جانب المواقع الأثرية المنتشرة في المنطقة، وفي مقدمتها آثار نينوى والحضر.

 

اللهجة المصلاوية.. حين تتكلم المدينة بلسانها

ولعل من أكثر ما يمنح الموصل خصوصيتها ذلك الصوت الذي يرافق أهلها أينما ذهبوا؛ اللهجة الموصلية أو المصلاوية، التي لا تبدو مجرد وسيلة للتخاطب، وإنما جزء من هوية المدينة وذاكرتها.

 

للهجة المصلاوية إيقاعها الخاص ونبرتها التي يمكن تمييزها سريعًا، وفي مفرداتها وتراكيبها ظلال من العربية الفصيحة، إلى جانب خصائص صوتية ومفردات تشكلت عبر تاريخ طويل من التفاعل بين الموصل ومحيطها.

ولعل من أجمل التفاصيل التي يعرفها أبناء المدينة الراء الموصلية؛ إذ يميل نطق الراء في بعض الكلمات إلى صوت قريب من الغين، فتمنح الحديث نبرة خاصة يصعب أن تخطئها الأذن الموصليّة. وقد تكفي أحيانًا كلمة واحدة بلفظها المصلاوي حتى يعرف المستمع أن المتحدث من الموصل.

 

وهذه الخصائص الصوتية ليست مجرد طريقة مختلفة للنطق، بل أصبحت جزءًا من شخصية اللهجة وخصوصيتها، إلى جانب الأمثال والتعابير والحكايات الشعبية التي انتقلت من جيل إلى آخر.

 

فاللهجة المصلاوية تحمل في داخلها ذاكرة المدينة؛ في أحاديث أهلها، وأمثالهم، وحكايات الجدات، وأصوات الأسواق والبيوت. ولهذا فإن الحفاظ عليها يعني أيضًا الحفاظ على جزء من التراث غير المادي للموصل.

 

التراث والفنون والموسيقى

ولا تكتمل صورة الموصل من دون تراثها الثقافي والفني. ففي بيت التراث الموصلي تتجسد جوانب من الحياة الاجتماعية والثقافية القديمة، من عادات وملابس وحرف وتقاليد وذاكرة اجتماعية.

 

أما الموسيقى، فيبرز فيها اسم الملا عثمان الموصلي، الذي ترك أثرًا بارزًا في الموشحات والموسيقى والألحان العربية، وأصبح واحدًا من الأسماء المرتبطة بالذاكرة الفنية للمدينة.

ولم تكن الثقافة الموصلية محصورة في الموسيقى؛ فقد عُرفت المدينة بالأدب والتعليم والمكتبات والحرف، وكان شارع النجفي وسوق السراي من الأماكن المرتبطة بالحركة الثقافية والكتب والمكتبات.

 

المطبخ الموصلي.. تراث على المائدة

ولا يمكن الحديث عن الموصل من دون التوقف عند مطبخها، الذي يمثل جانبًا مهمًا من هويتها الاجتماعية. وتأتي الكبة الموصلية في مقدمة الأطباق التي ارتبط اسمها بالمدينة، إلى جانب الدولمة والعروق وغيرها من الأكلات التي توارثتها العائلات.

 

فالمطبخ هنا ليس مجرد وصفات، وإنما ذاكرة تنتقل من الأمهات إلى الأبناء، وتحضر في المناسبات واللقاءات العائلية، وتحمل معها جزءًا من خصوصية المدينة.

 

الموصل.. مدينة تستعيد حضورها

مرت الموصل بسنوات صعبة تركت آثارًا عميقة في الإنسان والمكان، إلا أن قصتها اليوم لا ينبغي أن تُروى من زاوية ما فقدته فقط، وإنما من زاوية ما تحاول استعادته.

 

فثمة جيل جديد يريد أن يرى مدينته حاضرة في الثقافة والإعلام والفن والتعليم، وأن يعيد تقديم الموصل بوصفها مدينة للحياة والإبداع، لا مجرد مدينة تستعاد ذكرياتها.

 

ولا يقتصر النهوض على إعادة بناء الحجر؛ فالمدينة تستعيد نفسها أيضًا من خلال حماية تراثها، والحفاظ على لهجتها، وإحياء فنونها وموسيقاها، وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخها وموروثها.

 

الموصل ليست نينوى وحدها، وليست الحدباء وحدها، وليست الكبة والأسواق القديمة فقط. إنها كل هذه التفاصيل مجتمعة؛ مدينة يعيش تاريخها في آثارها، وتراثها في بيوتها، وموسيقاها في أصوات أبنائها، ولهجتها في أحاديث أهلها، ومطبخها في موائد عائلاتها.

 

إن الموصل اليوم لا تقدم نفسها للعالم كأطلال يُستعاد ماضيها، وإنما كحاضرة حية تحاول أن تستعيد بريقها وتكتب فصلًا جديدًا من قصتها.

 

فبين نينوى الآشورية والموصل الحديثة، وبين جانبي دجلة الأيمن والأيسر، وبين بواباتها القديمة وجوامعها وكنائسها وأسواقها، تبقى المدينة محتفظة بملامحها الخاصة.

 

وما دامت لهجتها ما زالت تُسمع، وفنونها تُمارس، وأطباقها حاضرة على موائد أهلها، وتراثها يجد من يحافظ عليه، فإن الموصل لا تعيش في الماضي، بل تواصل كتابة تاريخها في الحاضر.

 

الموصل مدينة تحفظ ذاكرتها، وتستعيد حضورها، وتنظر إلى المستقبل دون أن تتخلى عن صوتها الخاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock