أجاثا كريستي.. حين قادتها الروايات إلى العراق

قرأت لأجاثا كريستي نحو مئة رواية، أو ربما أكثر بقليل، ولم أكن أحتاج إلى مناسبة كي أعود إلى كتبها. كان يكفيني ذلك الشعور الذي تتركه في القارئ بعد كل لغز: كيف استطاعت أن تجعل الجريمة حكاية، والشك لعبة، وكل شخصية احتمالاً آخر؟
لكن ما أثار فضولي هذه المرة لم يكن إحدى رواياتها، بل العراق الذي دخل حياتها قبل أن يدخل بعضه صفحات كتبها.
في سبتمبر، الشهر الذي ولدت فيه «ملكة الجريمة» عام 1890، تبدو سيرتها أكثر قرباً بالنسبة لي، وأنا أكتشف أنها لم تكن مجرد كاتبة مرت بالعراق ثم عادت إلى إنجلترا، بل عاشت تفاصيل من الحياة العراقية، وتنقلت بين مواقع أثرية في جنوب البلاد وشمالها، ووجدت في بلاد الرافدين مادة غنية للكتابة والتأمل.
بدأت علاقتها بالعراق حين زارت أور عام 1930 بدعوة من عالم الآثار ليونارد وولي وزوجته كاثرين. وهناك التقت الشاب ماكس مالوان، الذي كان يعمل في الموقع، وكان يصغرها بأربعة عشر عاماً. وبعد أشهر قليلة، في سبتمبر من العام نفسه، تزوجا. ومنذ ذلك الوقت ارتبط جزء كبير من حياتها برحلات التنقيب في العراق وسوريا.
ولم تكن كريستي مجرد زوجة ترافق عالماً في بعثاته. فقد شاركت في تفاصيل العمل الأثري، وكانت مسؤولة عن التصوير في عدد من الرحلات، كما ساعدت في تنظيف بعض القطع والعاجيات المكتشفة، وترميم أجزاء مكسورة منها وتسجيلها. وفي نمرود تحديداً ارتبط اسمها بهذه الأعمال إلى جانب زوجها، حتى أصبحت حياتها في الموقع جزءاً من يوميات البعثة نفسها.

وفي شمال العراق، اقتربت كريستي أكثر من الموصل. فقد تولى ماكس مالوان أعمال تنقيب في تل أربجية، القريب من الموصل، في ثلاثينيات القرن الماضي، كما زارت معه نمرود، المدينة الآشورية القديمة التي كانت حلماً بالنسبة إليه، قبل أن تعود إليها لاحقاً مع استئناف أعمال التنقيب بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي نمرود تحديداً، أصبحت أجاثا جزءاً من المشهد. كانت تحمل كاميرتها، توثق أعمال الحفر واللقى الأثرية، وتعيش بين المنقبين في موقع بعيد عن حياة المدن. وفي الخمسينيات أصبحت نمرود أشبه ببيت ثانٍ لها؛ فقد خصص لها مالوان غرفة صغيرة للكتابة داخل بيت البعثة، وكانت تواصل عملها الأدبي بينما تستمر الحفريات في الخارج.
ومن الجميل أن صورة أجاثا في العراق لم تكن محصورة في الآثار وحدها. فقد التقطت صوراً للحياة والناس والبيئة المحيطة بمواقع التنقيب، وأصبحت الكاميرا بالنسبة إليها وسيلة أخرى للنظر إلى المكان، إلى جانب الكتابة.
أما بغداد، فكانت محطة مختلفة في حياتها العراقية. عاشت مع مالوان في منزل ارتبط بالبعثة الأثرية وكان يطل على دجلة، وقضيا فيها فترات قبل التوجه إلى مواقع التنقيب. وكانت شرفة المنزل المطلة على النهر من الأماكن التي ارتبطت بصور أجاثا في بغداد.
وكانت بغداد حاضرة أيضاً في أدبها. ففي عام 1951 صدرت روايتها «موعد في بغداد» (They Came to Baghdad)، وهي من الأعمال التي ارتبطت بالشرق والعراق في تجربتها الأدبية.
لكن أكثر ما يشدني في قصتها هو أن أجاثا التي صنعت من الجريمة لغزاً عالمياً، كانت في العراق تلاحق نوعاً آخر من الأسرار: أسرار المدن المدفونة تحت التراب.
في أور، رأت عالم المقابر الملكية وما خرج منها من كنوز وآثار. وفي نمرود، عاشت لحظات اكتشاف العاجيات والقطع الآشورية التي ظلت آلاف السنين تحت الأرض. وكانت خبرتها في مواقع التنقيب حاضرة في عالمها الأدبي، ولا سيما في «جريمة في بلاد الرافدين»، التي تدور أحداثها في موقع تنقيب أثري.
وحين أفكر في ذلك الآن، أتساءل: كم من تلك المشاهد بقي مختبئاً في رواياتها؟
ربما لهذا أحب أن أعود إلى كتبها. فقد كنت أقرأها طوال سنوات بحثاً عن القاتل، بينما أكتشف اليوم أن خلف بعض تلك الجرائم عالماً آخر عرفته أجاثا جيداً: العراق، بمدنه القديمة، وآثاره، ودجلة، وذاكرته التي لا تنتهي.
أجاثا كريستي لم تكن في العراق سائحة عابرة. لقد عاشت بين المنقبين، وحملت كاميرتها إلى مواقع الآثار، وشاركت في تفاصيل العمل، وكتبت من قلب ذلك العالم. ولهذا فإن قراءة أعمالها بعد معرفة هذه الحكاية تجعل بعض الأمكنة فيها تبدو أقل خيالاً وأكثر قرباً من الأرض التي عرفتها بنفسها.
وبالنسبة لي، كقارئة عاشت مع نحو مئة رواية من رواياتها، لم يكن اكتشاف العراق هامشاً في سيرتها، بل مفتاحاً جديداً لقراءة عالمها كله.
فقد قادني إلى ما وراء اللغز، إلى الأمكنة والوجوه والآثار التي أحاطت بها، وإلى أجاثا كريستي نفسها من جديد.
كنت أقرأ رواياتها بحثاً عن القاتل، أما اليوم فأشعر أنني عثرت على شيء آخر خلف كل ذلك الغموض: العراق الذي عرفته أجاثا، وعاشت فيه، ثم تركت شيئاً منه بين صفحاتها.
تمار عامر



